إشراك الطفل الفلسطيني في النزاعات المسلحة.. الكبار يستثمرون أحلام البطولة!

عالم الأسرة » شؤون عائلية
20 - ذو القعدة - 1427 هـ| 11 - ديسمبر - 2006


1

نور الدين طفل فلسطيني في الثانية عشرة من عمره موالٍ كالكثير من أطفال فلسطين لواحد من التنظيمات الفلسطينية، لم يكن يخيل له وأهله أن مشاركة عفوية في إحدى المناسبات الفلسطينية ستقلب حياته رأساً على عقب كما تقول أمه.

يروي لنا هذا الطفل بوضوح تفاصيل إصابته التي دارت أحداثها في إحدى مهرجانات النصر بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، ويستذكر الأحداث بالتفصيل فيقول: "كان ذلك يوم جمعة.. توجهت مع بعض من زملائي إلى مكان المهرجان"، ويتابع: "كنت في منتصف الحضور غير أني عمدت إلى التسلل باتجاه المقدمة لأرى عن قرب العروض العسكرية التي يقوم بها رجال الحركة المقاومون وبعد دقائق معدودة كنت في المقدمة وما إن وصلت إليها حتى سمعت انفجاراً برزت نتائجه على أجزاء جسدي أهمها عيني التي أصيبت بشظية حولتها من عين بشرية إلى عين زجاجية"، يبتسم ويقول بألم: "الحمد لله أنه أبقى لي عيناً أخرى أتابع بها تفاصيل حياتي الآتية".

علي أسبابه مختلفة!

ويختلف السبب الذي دفع نور الدين للمشاركة عن السبب الذي دفع علي ابن الرابعة عشرة من العمر وهو من مخيم الشاطئ للتواجد في مكان واحد من النزاعات المسلحة الداخلية التي دارت في الفترة الأخيرة، "علي" كان هدفه جمع الرصاص الساقط على ساحة المعركة لبيعه والاستفادة الاقتصادية منه، لكن أي ثمن لتلك الرصاصة التي اخترقت جسده الضعيف وأصابته إصابة خطيرة ما زال منذ شهور يعالج على أثرها.

وبالتأكيد كان "تامر" ابن السابعة عشرة من عمره ذا حظ أفضل من علي ونور إذ حفظه الله من مثل تلك الإصابات، "تامر" يدعى أو يغرى بالمشاركة في كل نشاط يطالبه فيه تنظيم معين مقابل وعود خدماتية مستقبلية وأجر رمزي مدفوع يأخذه عقب كل مشاركة وقد لا يتجاوز كارت جوال بـ20 شيكل!

الأطفال الثلاثة كانوا نماذج بسيطة لجموع من الأطفال الفلسطينيين الذين أصيبوا في مثل تلك الفعاليات الفلسطينية التي استخدام السلاح في احتفالاتها ونزاعاتها دون أدني مراعاة لحماية هؤلاء، فعلى الرغم من إدراج قواعد قانونية لحقوق الطفل في القوانين الداخلية وفي أغلب المجالات الحيوية لرفاهية الطفل وحماية تطوره غير أن هناك مجالين يظلان بحاجة إلى التطوير.. أولهما إمداد الأطفال في ظل الظروف الخاصة كالتي يعيشها الفلسطيني من اعتداءات متكررة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلية، الحماية نفسها المكفولة للأطفال في ظل السلام وهو ما يعني النص الواضح على تلك الحماية، ثانياً القيام بالمهمة الصعبة المتمثلة في كفالة تنفيذ هذه الحماية وإعمالها.

ضغوط اقتصادية

تؤكد لنا ميرفت النحال محامية في وحدة المساعدة القانونية بمركز الميزان لحقوق الإنسان أن اشتراك الأطفال في المسيرات المسلحة في ظل الظروف الحالية جاءت نتيجة تعرض العائلات الفلسطينية لمزيد من المشكلات الاقتصادية والسياسية وبالتالي التحق الأطفال بصفوف المظاهرات المسلحة أملاً في ضمان قوت يومهم وتدبير سبل العيش.

كما ترى النحال أن استمرار الخروقات التي يقوم بها الاحتلال في كثير من الأحيان تسببت في تعطيل وإعاقة تعليم الأطفال وإغلاق مدارسهم وبالتالي تركوا التعليم في أيام ليست بسيطة دون بدائل تذكر وبالتالي يصبحون فريسة لإغراء الالتحاق بالمسيرات والنزاعات المسلحة.

وتوضح النحال أنه بعد سن البروتوكول الاختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل والمتعلق بإشراك الأطفال في النزاعات المسلحة الذي بدأ سريانه في 12 فبراير 2002 ويعتبر أحد الأعمدة الرئيسية في هذه الحالة، حيث إنه يقرر الحماية القانونية للأطفال ويساعد على الحيلولة دون استخدامهم في هذه النزاعات، وبعد بدء سريان البروتوكول الاختياري وهذا ما اعتبر إنجازاً كبيراً بالنسبة للأطفال إلا أنه حسب النحال لا يمثل رداً كافياً على انتهاك حقوق الطفل التي يكابدها آلاف الأطفال الفلسطينيين كل يوم من قبل الاحتلال.

وتعرض النحال عدداً من العناصر الأساسية اللازمة لتحقيق حماية الطفولة، أولها الرصد الدقيق والمتواصل لانتهاكات حقوق الطفل في الأراضي الفلسطينية، ثانيها تقديم تقارير واضحة ومفصلة عن مدى مشاركة الأطفال في المسيرات والتظاهرات، ثالثها تحديد سياسة معينة لمعالجة المشكلة، ومن ثم العنصر الرابع يتمثل في التركيز على نشر ثقافة حقوق الطفل في أوقات القصف والاعتداءات والاعتقالات الممارسة ضد الأطفال وأثناء السلم.

مسئولية جماعية

مما لا شك فيه أن الأطفال الفلسطينيين دفعوا ثمناً غالياً في التحركات الفلسطينية وبخاصة في الفترة الأخيرة، هذا ما يؤكده المحلل الفلسطيني هاني حبيب الذي ضرب مثلاً بأن حركة "فتح" كانت تمارس عملية ضغط على المدارس لإخراج الطلاب والطالبات للمشاركة في مظاهراتها واستقبال الرئيس وتوديعه، في حين أن الفصائل الأخرى كانت تضغط في حدود معينة على المدرسين والطلاب للخروج والمشاركة في أنشطتها بشكل أو بآخر، الأمر الذي جرّ ويلات كثيرة على الطلاب أهمها التأثير على برنامجهم الدراسي، ناهيك عن التربية السلبية لترتيب أولويات الطالب بحيث أصبحت تصب في خانة التظاهر والخروج إلى الشارع وليس في خانة التعلم والاستفادة.

ووصف هاني حبيب المسيرات بأنها غير تربوية إذ لا تأخذ بعين الاعتبار طبيعة الطفل ودوره في المجتمع فهو رجل المستقبل، مؤكداً أن الفصائل حاولت استثمار هذه الفئة المحرومة من كل شيء؛ المحرومة أساساً من التعليم نتيجة السلوك غير التعليمي وغير التربوي في نشاطاتها المسلحة، ويلفت حبيب إلى أنه في السنوات الأخيرة بات الأطفال يسهمون مساهمة فعالة في عمليات الاحتجاج سواء المدني أو العسكري وقال: "شاركوا بشكل فاعل في أطر كافة الفصائل الفلسطينية واستنجدت بهم الفصائل للتعبير عن مدى جماهيريتها في كثير من المظاهرات الصاخبة سواء المسلحة أو غير المسلحة، كان الأطفال أكثر من نصف الجمهور الأمر الذي يبين للعيان أنهم جمهور هذا الفصيل أو ذاك".

ويعود حبيب ليؤكد على استثمار الطفل في المظاهرات دون أي دراية من قبل الطفل نفسه بأنه مستثمر ومستفاد، ويرى حبيب أن سبب الخروج لدى الأطفال والتظاهر ضمنها هو تلبية نزعة عند الطفل بالتمرد دون أن تكون متوازية مع قناعات معينة لديه، ولفت إلى أن الآباء أيضاً يقومون باستثمار طفولة أبنائهم بطريقة غير مباشرة من خلال تصوير أبنائهم بالأزياء العسكرية والأسلحة كالبندقية والمسدس متفاخرين بهم غير أن ذلك يحرم الطفل من طفولته، وفي هذا الصدد حمل هاني حبيب المسئولية للفصائل والرئاسة الفلسطينية وأولياء الأمور.

وحول تأدية المنظمات الأهلية المهتمة بالطفل دورها في توعية الطفل وتعريفه بحقوقه أكد حبيب أن المؤسسات الأهلية الناشطة في مجال الطفل اقتصر دورها في أغلب الأحيان على إشارات واهية عن هذا القصور المجتمعي تجاه الطفل الفلسطيني، كما أنها لم تلعب الدور المناط بها خشية من الفصائل أو السلطة، لم تقم بدورها كما يجب على حد قوله، وأضاف: "على الرغم من أنها الوحيدة المؤهلة فعلاً لأن تقود عملية حراسة مصالح الطفل الفلسطيني وتفضح كافة الممارسات التي تجعل من الطفل استثمارا سياسيا وجماهيريا للفصائل التي لم تتمكن من أن تستثمر الكبار فعمدت إلى استثمار الصغار"، لافتاً إلى أنها تتحمل مسئولية أعظم وأكبر من غيرها باعتبارها جمعيات متخصصة ويقع على عاتقها إنقاذ الطفل من الوضع الخطير المحيط به.

وبخصوص الحلول المطلوبة في قضية استثمار الطفل من قبل الفصائل والتنظيمات في المسيرات والتظاهرات المسلحة وحتى السلمية منها قال حبيب: "في حال التسليم بأن هناك أزمة فلسطينية شاملة فهذه الأزمة تلحق بالطفل قبل غيره، وإذا سلمنا بأن هناك وضعا سياسيا فإن هذا لا يجعلنا نتردد في أن نشير إلى وجوب تجنيب الطفل الفلسطيني سلبيات هذه الأزمة وإنقاذه منها.

المطلوب الحرص على طفولة الطفل الفلسطيني وضرورة أن يقوم بدوره وهذا لا يعني أن يحمل بارودا أو رشاشا فهو جزء من العملية النضالية وعملية المواجهة فهو يواجه الاحتلال من خلال مثابرته على الدراسة والعلم والتربية وتفتيح الذهن؛ فالمواجهة مع الاحتلال ليست مواجهة مسلحة فقط بل مواجهة فكرية ومستقبلية.

موقف التنظيمات!!

عضو المجلس التشريعي عن قائمة الإصلاح والتغير يحيى موسى يؤكد على أهمية حماية الطفل الفلسطيني بشكل عام ويقول: "نحن كحركة مع كل ما يحمي الطفولة وينشئها بعيدا عن أي اقتحام، والعمل مهم في كل الاتجاهات التي تساعد على نموهم الطبيعي والبعد عن أي استعمال ينمي العنف أو يستغلهم"، ويؤكد موسى على أنه في الوقت الحالي يعيش المجتمع الفلسطيني ظروفاً غير طبيعية كالاقتحامات العسكرية للاحتلال الإسرائيلي وبالتالي تدفع هذه الظروف الأطفال للتواجد في الكثير من النشاطات المسلحة، ويقر موسى أنه ليس هناك قدرة على فرض نظام بسبب تلك الظروف وقال: "نحن غير قادرين على إيجاد ضوابط حثيثة في هذا الموضوع، لكن ندعو كافة المعنية للعمل الجاد على حماية الطفل الفلسطيني الذي هو ركيزة المستقبل".

رضوان الأخرس النائب عن كتلة فتح في المجلس التشريعي الفلسطيني يقر أن التنظيمات الفلسطينية لم تتخذ الموقف السليم في هذا الموضوع لكنه يرى أن الموضوع ليس قضية حزبية بحتة بل هو أقرب ما يكون موضوع ثقافة مجتمع وشارع وعادات وهو يشير إلى شكل من أشكال الفوضى حسب تعبيره، ويشدد الأخرس على أن الحكومة تتحمل مسئوليتها في هذا الجانب فيما يتعلق بأهمية تفعيل القوانين، قال الأخرس: "يجب أن نمتلك مخزونا عاليا من القيم في ثقافتنا وعرفنا والقضاء الشعبي لكي نضع الطفل في قيمة قضائية محصنة".

وفي معرض رده على سؤال حول تحمل التنظيمات مسئولية في تحميل السلاح للأطفال قال الأخرس: "بالتأكيد لا يحق حمله إلا ضد العدو أولا، ولا أعرف معنى لظهور السلاح بشكل عام في المسيرات وأنا ضد بروز السلاح في المسيرات سواء تأييداً أو معارضة، أما موضوع تحميل السلاح للأطفال فهذا جريمة إضافية للجريمة الأولى لأن السلاح لا يجيد استخدامه إلا الراشد المدرب على السلاح، هذا الشرط لا يوجد في طفل عمره 14، وأنا أشجب أي فصيل يحمل هذا الطفل السلاح ولكنها مسئولية الحكومة".

الإسلام يطالب بحماية الطفل

حرص الإسلام دائماً على حماية الطفل والعمل بجد على توفير بيئة مناسبة لتنشئته تنشئة سلمية، هذا ما يؤكده الشيخ محمد نجم نائب مفتي فلسطين قائلاً: "أبناؤنا فلذات أكبادنا وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وسنة نبيه المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام أن نعتني بتربيتهم على الشريعة السمحة والخلق القويم، ومن ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لنا منذ الحمل والولادة كافة الأمور التربوية التي تجب على الأب تجاه ابنه، فقال: (علموا أولادكم الصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع)"، واستطرد: "علينا أن نربي أبناءنا ليكسبوا مهارات تليق بالنواحي العقلية والجسمية والروحية لهم ولا ينبغي أن نزج بهم في مواجهات لا تحمد عقباها كالزج بهم نحو العنف بحملهم سلاحاً أو تدريبهم على السلاح في سن مبكرة، فشرع الله لا يرى ذلك مناسباً لأنه يعطي لكل سن تربيته الخاصة به، لذلك هناك مخالفات كثيرة نرتكبها تجاه أبنائنا عندما نزج بهم في مسيرات ومظاهرات وحينما نحملهم سلاحاً ولو كان للاستعراض".

وأضاف الشيخ نجم: "كم صبي قتل من جراء الاستعراضات بالسلاح سواء في أفراح أو في تظاهرات، أن الشرع الحكيم لا يؤيد مثل ذلك لأنه لا يتناسب تربوياً ولا خلقياً ولا حتى جسمانياً، يجب الصبر على الطفل حتى يشتد عوده حتى يكون مناسباً لمثل هذه التربية والمهارات التي تسبق سنه، وهذا غير ملائم مع التربية على حمل السلاح والمتفجرات في سن مبكرة، الأمر الذي يوقعنا في مخالفات شرعية كثيرة".

ويطالب الشيخ نجم المجتمع ومؤسساته بالرجوع إلى محاضن التربية.. البيت والمدرسة والمسجد لكي تقوم بدورها على أكمل وجه في تربية الطفل لافتاً أن أسس التربية باتت تعبوية يغلب عليها الطابع الحزبي الفئوي أحادي الجانب لدى الجميع دون استثناء على حد تعبيره، قائلاً: "نهيب بالأهل في محاضن التربية أن يراعوا حدود الله ويتقوه في أبنائنا ولاسيما في المساجد التي تعد من أهم محاضن التربية وأنفعها إن تم توظيفها واستغلالها بالشكل الصحيح لا لتكون دوراً للنشر والصحافة لغسيل الدماغ والتأطير الحزبي والفئوي إنما لتخريج أبنائنا وبناتنا وتربيتهم التربية الإسلامية الحسنة، يأتي قبل ذلك دور البيت ومراعاة الأبوين للابن في خروجه ودخوله ومراعاة سلوكه ومراقبة تعاملاته مع الآخرين، ومن ثم يأتي دور المدرسة دوراً مكملاً ودوراً رئيساً في هذا المضمار فعلى الجميع أن يتحمل مسئولياته أمام الله سبحانه وتعالى ثم أمام شعبه ووطنه".

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


ميرفت عوف

صحافية تعيش في قطاع غزة، مهتمة بشئون المرأة، وكتابة التقارير الاجتماعية والإنسانية، عملت مع عدة الصحف الفلسطينية والعربية.


تعليقات
-- روني اسحاق - فلسطين

21 - ذو القعدة - 1427 هـ| 12 - ديسمبر - 2006




من الخطاان يموت الاولاد بهذه الطريقة ..... ولكن يجب ان نحترم انه من الممكن في كل السنة ان يمود طفل او اتنين ولكن اذهبوا الى اهل الحضارة و شاهدوا كم اب يذبح اباه


اذا اردتم الاسلام فانا عندما اكون في الميدان و يكون حولي اولاد ولا يطيعون الاوامر بالابتعاد اعمل كل جهدي لابعادهم ولكن الاخطاء تحصل دائما
والله المستعان

-- فلسطينية وأفتخر - فلسطين

10 - شوال - 1428 هـ| 22 - اكتوبر - 2007




القصة ليست بيد المجتمع الفلسطيني أو رب الأسرة أو والد الطفل المشارك
(هذا كلام خاطىء ) أما التفكير الصائب بأن الأعمال الاسرائلية هي التي تدفع الأطفال للخروج في المظاهرات و التحركات المسلحة فإسرائيل لم تترك حلا لدى الأطفال وفعلا هذه هي البداية لتدمير إسرائيل فيما بعد وعلى أيدي الأطفال (أرجوا نشر التعقيب).

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...