الاختبار الصعب لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الاختبار الصعب

سلسلة آية وحكاية (5)

واحة الطفولة » واحة الأخلاق
25 - صفر - 1432 هـ| 31 - يناير - 2011


1

     كان الصحابة- رضوان الله عليهم- على عهد النبي r يتشوقون إلى نزول الوحي على النبي r بآيات من القرآن؛ ليتعلموا منها كيف يعيشون سعداء في الدنيا، وحتى يتعرفوا على الأعمال التي يحبها الله تعالى، ويستحقون بها رضوانه وجنته، كما كانوا يتقربون بتلاوتها وحفظها إلى الله I، فما أن تنزل آية حتى يبادروا إلى ترديدها على ألسنتهم ليحفظوها، ثم يتنافسون في الإسراع إلى تنفيذها وتطبيقها في حياتهم وداخل أُسَرهم.

       فإذا نزلت آية الحجاب أسرعت النساء إلى لبس الحجاب بمجرد أن سمعن الآية، وحين نزلت آيات تحريم الخمر، بادر كل من لديه شيئا من الخَمْر في بيته إلى إلقائه في الشارع والتخلص منه فورًا.

       وذات مرة،  فوجئ الصحابة- رضي الله عنهم- بنزول الوحي على النبي r بقوله تعالى: ]لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.[البقرة:284.  فلما سمع الصحابة هذه الآية من النبي r خافوا خوفًا شديدًا، وأحسوا كأن زلزالاً عنيفًا قد أصابهم، فقد كان معنى الآية أن الله الذي له ملك السماوات والأرض، والمطلع عليهما، والعالم بكل ما فيها سيحاسب عباده على كل شيء، وعلى أي شيء، على ما فعلوه، وحتى على ما أخفوه في صدورهم، أو فكروا فيه بعقولهم، أو حدَّثوا به أنفسهم.

هل تعرف لماذا خافوا من هذه الآية؟

     لأن الإنسان قد ينوي أو يفكر في أمر سيئ أو قبيح في ساعة غضب، أو غفلة، أو نسيان، ثم لا يفعل ما فكر فيه أو نَوَاه، وقد يتضايق بعد ذلك لأنه فكّر فيه أصلاً، فشعر الصحابة أنهم لا يستطيعون أن ينفذوا هذه الآية أو يطبقوها؛ لأن النفس والشيطان كثيرًا ما يوسوسان إلى المسلم بالشر، أو بأمور لا يحبها ولن يفعلها، ولكنها تدور في ذهنه ونفسه؛ كأن يتضايق من شخص ويغتاظ منه فيقول في نفسه في لحظة غضب: سأقتله، أو سأنتقم منه. وحين يهدأ ينسى هذا الأمر، وربما يندم لأنه فكر فيه.

     كانت هذه الآية تعني أن الإنسان لو فكر مجرد تفكير في معصية في وقت غضب أو غفلة أو خطأ ثم لم يفعله، فإن الله سيحاسبه على هذا التفكير، وقد يعاقبه عليه.

      فانطلق بعض الصحابة إلى النبي r وقالوا: يا رسول الله، والله ما نزلت آية أشد علينا من هذه الآية، فقد يحدِّث أحدنا نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه (كما يحدث لنا أوقات الغضب الشديد مثلاً)، أيعاقبنا الله بما نُحدِّث به أنفسنا؟  فقال لهم النبي r: هكذا أنزلت. (أي أن الأمر كما فهمتم وعليكم الطاعة).  فشق (أي صعب) ذلك على الصحابة وقالوا: هلكنا وكُلّفنا الله من العمل ما لا نُطيق.

فقال النبي r: "فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل لموسى: سمعنا وعصينا؟ قولوا: سمعنا وأطعنا".  فقال الصحابة مطيعين لأمر النبي r: سمعنا وأطعنا.

      فلما رأى الله- سبحانه وتعالى- منهم حرصًا على تطبيق الآية، واجتهادًا في العمل بها على الرغم من شدتها وصعوبتها عليهم، أنزل الله- سبحانه وتعالى- بعد مدة قصيرة؛ ببركة طاعتهم لله ورسوله r، آياتٍ جديدة تحمل البشرى والفرج والتيسير على المؤمنين، فقال تعالى:  "آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِليهِ مِنْ رَبِّهِ والْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وقَالُوا سَمِعْنَا وأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلا وسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا ولا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ واعْفُ عَنَّا واغْفِرْ لَنَا وارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ" البقرة: 285-286.

      وكان معنى هذه الآيات أن الرسول r والمؤمنين الذين آمنوا بما طلب الله منهم أن يؤمنوا به، والذين كلما أُمِروا بأمر من ربهم قالوا: سمعنا وأطعنا- قد خفف الله عنهم، ولن يكلف أحدًا منهم فوق طاقته.

وهذا من رحمته سبحانه بالمؤمنين، ورأفته بهم، وكان معنى الآيات الجديدة، أيضًا، أن الله لن يحاسبنا إلا على ما نقدر عليه من خير، وأنه سبحانه وتعالى لن يحاسبنا عن الأخطاء التي نقع فيها عن طريق الخطأ، أو بسبب النسيان، أو الإكراه، بل وحتى المعصية أو الذنب الذي نفعله متعمدين قاصدين له، إذا تبنا واستغفرنا الله منه، وندمنا عليه، فإن الله يغفره أيضًا برحمته وعفوه، فهو الرحمن الرحيم الغفار.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- داليا -

28 - صفر - 1432 هـ| 03 - فبراير - 2011




جزاكم الله خيرا

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...