البعض جاؤوا.. لكنه تحديداً لم يأتِ! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

البعض جاؤوا.. لكنه تحديداً لم يأتِ!

عالم الأسرة » شؤون عائلية
15 - جماد أول - 1437 هـ| 24 - فبراير - 2016


1

«يا لكثرة الرجال، ويا لقلتهم». قالتها وأنفاسها تمتزج بالمرارة والحسرة، مرارة العنوسة التي وقعت في براثنها دون أن تدري أو تشعر، وبدأت تلملم أشلاء ذكرياتها لعلها تقف على سبب تجلد به ذاتها، أو لعلها تخرج من هذا البحث بريئة، وتنجو من آلام مبرحة أدمت مشاعرها وتركتها حطام إنسانة فعلت بها السنون ما فعلت.

هل كان الطبيب مناسبا؟. لكنه كان حاد المزاج، مدخن، جاف المشاعر، يفتقد لغة الحوار. لم أنجذب إليه، أو يفرح قلبي عند رؤيته. لم يكن ما تمنيته لنفسي، التي تعشق الهدوء وتدمن السكينة وتمتعض من رائحة الدخان، فالحياة الزوجية بالنسبة لي ليست معركة، بقدر ما هي مسيرة نجح فيها من نجح، وفشل فيها من فشل.

أما المهندس فأمه سلبت شخصيته، كانت كل شيء في حياته، من قرارات ومبادرات وإجراءات وترتيبات وخطوات وتحركات. أحسست أنه مصاب في رجولته، فاقد لأهليته، رجل يعتمد علي، لا أعتمد أنا عليه، لا يدور بيننا حديث إلا والنتيجة مؤجلة حتى يراجع أمه! بغض النظر أباح لي بهذا، أو فضل التجاهل. كنت أتمنى رجلا يروي ظمأي من رجولته، يقود ولا يقاد، أجد عنده المشورة والتدبير والمعونة، وتحمل المسؤولية وعبقرية الاحتواء، وكياسة التوجيه.

أما المدرس فكان فقيرا، بل شديد الفقر، لا يمتلك أدنى المقومات المادية للحياة الزوجية، فعن عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) [رواه البخاري ومسلم]، قال أهل العلم: واستطاعة النكاح: القدرة على مؤنة المهر والنفقة. وفيه دليل على أنه لا يؤمر به إلا القادر على ذلك، وقد قالوا: من لم يقدر عليه فالنكاح مكروه في حقه، وصيغة الأمر ظاهرة في الوجوب. 

والصحابية الجليلة فاطمة بنت قيس -رضي الله عنها- لما تقدم لخطبتها اثنان من أفاضل الصحابة رضوان الله عليهم جميعا ـ كما في صحيح مسلم- بيّن لها النبي -صلى الله عليه وسلم- أن معاوية وأبا الجهم لا يناسبانها لمعرفته بها وبهما، حيث قال -صلى الله عليه وسلم-: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك [أي فقير] لا مال له)، فهؤلاء مع صلاحهم الذي لا يشك فيه سليم المعتقد، لم يشر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالزواج من أحدهما، وأشار عليها أن تتزوج آخر، وهو أسامة بن زيد ـ رضي الله عنهم جميعاً- رغم أنه خيار لم يكن بالحسبان، فتزوجته، ثم قالت بعد ذلك: "فجعل الله فيه خيراً فاغتبطت به".

وأما التاجر فإدمانه لعمله قتل مشاعره. إنه يريد زوجة لأن المفروض أن تكون له زوجة وليس لحاجته لسكن وشريك حياة، الزواج عنده نوعا من الصفقات التي يمارسها على مضض، صفقة سيدفع فيها ولا يكسب شيئا بظنه، لكنه ضغط العائلة والمجتمع، وتلمح عواقب الكبر والشيخوخة والوحدة والانفراد.

ومن أجمل ما طالعت لأهل العلم قولهم: وقد يكون الرجل متديناً، حسن الخلق، لكن فيه من الصفات ما لا يوافق الطرف الآخر، فيكون صالحاً لغيرها لكنه لا يصلح لها. مثلاً قد يكون: جاداً، سكوتاً، قليل الكلام، مهتماً بالشعر والأدب، علاقاته الاجتماعية محدودة. والمرأة على العكس تماماً: اجتماعية جداً، تحب الاستكثار من مخالطة من حولها، تحب المزاح، لا تتذوق الشعر، ولا تهتم بالأدب، وتحس أن الاهتمام به نوع من تضييع الوقت فيما لا فائدة فيه. لا شك أن صفات هذا الرجل ليست معيبة، لكنها قد تسبب لها الضيق، فلا تشعر بالسعادة معه. لذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في سنن الترمذي (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه) [رواه الترمذي وحسنه الألباني]، ولم يقل متديناً حسن الخُلق.

إذا أنا ما جنيت على أحد، وأولهم نفسي، وما كنت يوما بالمتغطرسة ولا المتكبرة ولا الخيالية ولا صاحبة سقف مرتفع في مواصفات شريك العمر. كل ما هنالك أنني رفضت أن أقبر نفسي وأدفن أيامي في زيجة يضيق بها صدري. كل ما هنالك أنني أبيت أن أظلم رفيق دربي لأنه وبباسطة لا مكان له في حيز الأماني التي عشت معها برهة من الدهر.

العنوسة كانت قدرا، وليست محنة أوقعت فيها نفسي، قدر علي أن أرضى به، أصبر عليه، وأتحمل غصصه بصدر رحب.

لكن مع العنوسة بدأت رحلة المنغصات.

عندنا ضيوف، ترى من؟ لكن أخي الطفل الصغير لم يمهل الفكر بالتوقع، وجاء يهمس في أذني: أتعرفين من الزائر؟ إنه الشيخ جاء ليطرد الجن لكي تتزوجي؟. يا إلهي، هل بي جن؟ أسعفتني أمي بالإجابة قبل أن يطير عقلي. لا تقلقي ربما الأمر لا يعدو أكثر من كونه سحرا شريرا سيفكه الشيخ، وتتزوجين بعدها إن شاء الله.

وفي مناسبات العرس كان علي حتما ـ بأمر مباشر من الوالدة- أن أتزين بأبهي زينة، وأهتم بأدق التفاصيل في هندامي، وأحسب حساب كل جملة تنطق بها شفتاي، لعلي أجد أمّاً حنوناً تبحث عن زوجة لولدها، فأقع منها موقع الرضى والقبول.

أما عن سيل النصائح فهي ركام لا ينتهي. من الذهاب إلى مكاتب التزويج وترك بياناتي، أو التطرق إلى مواقع الزواج على الإنترنت، أو توسيع دائرة علاقاتي الاجتماعية، وفتح صفحة على الفيس بوك أو تويتر، أو المشاركة في العمل العام، أو الإكثار من الذهاب للنوادي الاجتماعية، أو الدعوة لخلع الحجاب، أو الدعوة بقبول الزواج من مسن أو أمي جاهل، أو رجل سوقي كريه الخلق بدعوى أن «ظل رجل ولا ظل حيطه!».

إن العنوسة أزمة طالتني وطالت الكثيرات غيري، فحسب إحصائيات غير رسمية، هناك مائتا ألف امرأة عربية تدخل مرحلة فقدان الفرصة بالزواج في حياتها كل سنة، وستحرم هؤلاء النساء من حقهن في إكمال الوظيفة الأسمى في الحياة، وهي الحصول على أسرة وإنجاب الأولاد.

لكني راضية بقضاء الله تعالى، بريئة أمامه سبحانه، ثم أمام نفسي من أي تصرف أهوج أوقعني في أزمتي تلك، ورغم كل من تقدموا لي، فلن أتنازل أبدا عن زوج «يملأ قلبي جلالاً، وعيني جمالاً».

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...