الرشوة التربوية (1 ـ 2) لها أون لاين - موقع المرأة العربية

الرشوة التربوية (1 ـ 2)

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
02 - شعبان - 1439 هـ| 18 - ابريل - 2018


1

تُشكل عملية ضبط السلوك الشغل الشاغل للمربين بشكل عام، على كافة المستويات التربوية. ويهتم الوالدان بشكل خاص بضبط وتعديل سلوكيات أطفالهم، وزرع القيم السامية فيهم، ويستخدمون لذلك أساليب كثيرة في محاولة للوصول لأهدافهم التربوية. وتُعد أهم السبل المستخدمة في تعديل السلوك بشكل عام، وبطريقة تلقائية أيضاً أسلوب الثواب والعقاب، أو ما يُعرف بالتعزيز والعقاب. وهما أسلوبان قديمان وحديثان في الوقت نفسه ومُجديان أيضاً؛ لتحقيق الهدف التربوي المنشود. غير أن استخدامهما بشكل خاطئ أو عشوائي، لا يشكل عائقاً في الوصول للهدف وحسب، بل يُحدث نتائج عكسية تماماً، ويتسبب في ظهور سلوكيات تحتاج هي ذاتها للتعديل؛ لذا من المهم أن نتعرف على هذين الأسلوبين بدقة أكبر، وأكثر تفصيلاً ليتم استخدامهما بالقدر والأسلوب المناسبين.

فالتعزيز: عملية يتم من خلالها تدعيم السلوك المناسب لزيادة احتمالية تكراره في المستقبل، وليحل محل السلوك السلبي. فهو يمنح نتائج إيجابية على السلوك وعلى الطفل. كاحتمالية زيادة تكرار السلوك الإيجابي، وانطفاء السلبي، فضلاً على الآثار الإيجابية على شخصية الطفل، كزيادة الدافعية لديه، وبناء الثقة بالنفس، وتحسين صورة الذات بشكل عام، وهناك أنواع كثيرة من المعززات من أهمها وبشكل ميسر:

  • المعززات المادية: تتمثل في منح مبلغ من المال، أو زيادة المصروف جراء سلوك معين.
  • المعززات العينية: وتتنوع بين الهدية الثمينة، وبين الألعاب وكل رمز عيني محبب للطفل.
  • المعززات الاجتماعية: وهي كلمات ترفع المعنويات، وتثير الدافعية كالمدح والثناء والكلمات التشجيعية والابتسامة وكلمات الإعجاب، وهي من أهم المعززات لما لها من أثر إيجابي على شخصية ونفسية الطفل وثقته بنفسه.
  • المعززات النشاطية: وهي مجموعة من الأنشطة المحببة، كزيارة صديق له، أو ممارسة هواية، أو رياضة مفضلة، أو ألعاب ممتعة.
  • وعادة ما تُقدم هذه المعززات بعد السلوك الإيجابي مباشرة؛ لتكون حافزاً لتكراره، وذلك بخلق رابط إيجابي بين السلوك، وبين المعزز المحبب للطفل. إلا أنه في بعض الأحوال يعمد الوالدان لتقديم هذا المعزز قبل السلوك، رغبةً منهما في دفع الطفل وتشجيعه على القيام بالسلوك الإيجابي، كأن يقدمان له ما يحب كهدية قبل أن يجتهد وينجح؛ اعتقاداً منهما أنهما بهذه الطريقة يثيران دافعيته للنجاح. لكن مع الأسف كثيراً ما تكون هذه الهدية عاملاً في تنحيته عن الاجتهاد لسببين:

    أحدهما: أنه فقد عنصر التشويق والرغبة في الحصول على الهدية، التي لو وُعد بها إن اجتهد ونجح لأثارت دافعيته للاجتهاد لنيلها ولدفعته باتجاه الطريق الصحيح.

    والآخر: أنها حولت الهدف من التركيز على السلوك المطلوب، والسبل الموصلة إليه، إلى التركيز على الحصول على المكافأة التي تسبق السلوك؛ فينشغل في التفكير في كيف يحصل عليها مجدداً دون القيام بالسلوك؛ فيُظهر الطفل بعد فترة وجيزة تكاسله عن الاجتهاد مجدداً؛ ليدفع الطفل الوالدين لتحفيزه بهدية أخرى؛ مما يجعل الوالدين في حلقة مفرغة بعيدة كل البعد عن التعزيز وإثارة دافعية الطفل. ويحول هذه العملية من تعزيز للسلوك لرشوة سلوكية أو تربوية -إن جاز التعبير ـ للقيام بالسلوك بدلاً من مكافأته لتكرار ظهور السلوك. بل وتشبه إلى حد كبير أسلوب الابتزاز، للحصول على ما لا يستحقه. هذا في كون المعزز نوع من أنواع المعززات العينية، بينما تزداد المشكلة تعقيداً خاصة إن كانت المكافأة مادية، فإنها بالإضافة إلى كونها رشوة تستحث السلوك، فهي تُحول الطفل إلى طفل مادي، يسعى للحصول على المال، ويجعله محور أسلوبه في التعامل في حياته، فضلاً على أنها تغرس النفعية في نفس الطفل، فعلى أساس المنفعة يستجيب، لا على أساس نوعية السلوك. وهنا تظهر إشكالية سلوكية عميقة، تتأصل في نفسية الطفل؛ لتصبح سلوكياته بناء على ما يُقدم إليه، وما يحصل عليه من منفعة. وعندها ينحرف التعزيز عن مساره، فبدلاً من تشجيع الوالدين للطفل بذكر المعزز الذي سيحصل عليه، إن استجاب للسلوك المطلوب تتحول لعملية مقايضة بين الطفل ووالديه، بأسلوب يتمثل في طلب الطفل للمال، ليقوم بالسلوك المطلوب (أعطني لأعطيك). لتتجسد بشكل جلي في صورة أشبه ما تكون بالابتزاز السلوكي، خاصة حين يمتنع الطفل عن فعل ما يُطلب منه، إلا إن حصل على المقابل المادي أولاً. وقد يشتكي بعد مدة أنه لن يقوم بالسلوك المطلوب، إلا بزيادة ما يحصل عليه من مقابل مادي. أو يعمل على الإلحاح وإثارة سلوكيات غير مقبولة من حين لآخر، حتى يضطر الوالدان الالتفات إليه، ومنحه ما يريد مقابل أن يلتزم بالهدوء. وهنا يتحول التعزيز لصورة منحرفة لا تعمل على تقويم السلوك، بل على إثارة مشكلات سلوكية أكبر من السلوك المستهدف سابقاً.

    ونستكمل في الحلقة القادمة بإذن الله ـ تعالى ـ.

    روابط ذات صلة


    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



    تعليقات
    فضلا شاركنا بتعليقك:
    • كود التحقيق *:
      لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

    هناك بيانات مطلوبة ...