رمضان في دمشق مرق وخرق وصر ورق

عالم الأسرة » رحالة
07 - رمضان - 1426 هـ| 10 - اكتوبر - 2005


أجواء رمضان في دمشق ساحرة، إذ يختلف كل شيء مع إطلالة هذا الشهر بدءاً من تكريزة رمضان ومروراً بالمسحراتي والحكواتي وانتهاء بالوقفة والعيد، ورغم التبدل الكبير الذي حدث في حياة الدمشقيين إلا أن هناك الكثير من العادات المرتبطة بهذا الشهر والتي توارثها الأجيال وتناقلوها ويصرون على إحياءها كل رمضان.

تكريزة رمضان

يقول الكاتب منير كيال، في كتابه يا شام: في التراث الشعبي الدمشقي "من عادات الدماشقة القيام بما يسمى "تَكْريزة رمضان". فقبل حلول شهر رمضان بيوم أو بيومين، يقومون بسيارين (نزهات) عائلية أو على شكل جماعات من الأصدقاء إلى مناطق الغوطة الشرقية أو مناطق الربوة والشادروان والمقسم والمنشار والغياض، مما يروي ولع الدماشقة بالخضرة والظلال وأفانين الجمال. فتفرش كل جماعة جانباً من مكان مطل على مناظر الخضرة والمياه. وإمعاناً في الحرية، كانت كل جماعة تحجب نفسها عن أعين الغرباء والحشريين بحواجز قماشية تشد بين شجرتين أو أكثر، بحيث لا تمنع التمتع بالنسيم العليل والهواء المنساب بين الشجر والمناظر الأخاذة. وفي حين تنهمك النسوة في إعداد الطعام من أنواع المقالي والشواء وغير ذلك، يكون الرجال والشباب بين ورق اللعب والنرد، وقد ينفرد البعض عن ذلك للمساهمة مع النسوة في إعداد الطعام.

ويذهب البعض إلى تفسير التكريزة على أنها وداع وفسحة: وداع لما لذ وطاب، وفسحة يعيش المرء بعدها بعيداً عن ملاذ الحياة الدنيا، قد يستمر بعدها مع روحانية رمضان، وفد يعود سيرته السابقة.

المسحراتي مع أول ليلة من رمضان

يستقبل أهل دمشق شهر رمضان الكريم بالزينات والأنوار حيث تتلألأ الأضواء في أشهر سوق من أسواق دمشق القديمة "سوق الحميدية" وتزدان حواريها وشوارعها بالزينات احتفالاً بقدوم شهر رمضان الكريم.. ويسارع بعض أهل دمشق بتعليق الزينات والأعلام والآيات القرآنية على أبواب البيوت والحوانيت منتظرين نبأ إثبات رؤية الهلال، فإن ثبت تنار المساجد وتُضرب المدافع إيذانًا ببدء الصيام، ويقبل الناس بعضهم على بعض للتهنئة والمباركة..

شخص ما يعلم أنه ليلتها لن ينام وأن عليه إعداد أدواته للخروج بها إلى عمله الذي يبدأ مع أول يوم من رمضان وينتهي مع نهايته، عادة قديمة كان الدمشقيون يحتاجونها حيث لم يكن هناك وسيلة لإيقاظهم لتناول السحور، والآن  ومع كل التطور الموجود في عصرنا وتنوع وسائل الإيقاظ من منبه وتلفاز وهاتف وجوال إلا أن المسحراتي مازال يقوم بهذه المهمة وينتظر الناس سماع صوت طبلته ويطربون لصوته وهو يردد:" يا نايم وحد الدايم.. رمضان كريم..

يقول الكاتب ماجد اللحام عن المسحر في كتابه "دمشق في نصف قرن": المسحّر هو الرجل المميز في رمضان، وينحصر عمله في ذلك الشهر، فهو الذي يوقظ الناس للسحور. ولكل حي مسحر أو أكثر حسب مساحة الحي وكثرة سكانه.

يبدأ المسحر جولته قبل موعد الإمساك بساعتين، يحمل طبلته بحبل في رقبته فتتدلى إلى صدره، أو يحملها بيده، ويضرب عليها بعصا خاصة. وكان يرافقه شخص آخر يحمل الفانوس، لما كانت إنارة الشوارع محدودة. ثم اختفى الفانوس وبقي المسحر الذي يعرف أصحاب الدور، فيقف عند أبواب بعضهم ويصيح باسمه ليوقظه. ويردد أثناء تجواله بين الأزقة عبارات مختلفة تتناسب مع شهر رمضان منها: "يا نايم وحّد الدايم... يا نايم اذكر الله... يا نايم وحّد الله... قوموا على سحوركم..." كما يردد أحياناً المدائح النبوية.

وكان للمسحر ثلاث جولات: إحداها يومية تشمل كل الحي لإيقاظ الناس وقت السحر، والثانية يومية تشمل بعض الأحياء بالتناوب لجمع الطعام والمساعدات، ويصطحب معه في هذه الجولة مساعداً ليحمل سلة وبعض الأطباق لوضع ما تجود به العائلات من أطعمة، ويضطر لوضعها مع بعضها في طبق واحد أحياناً. لذلك يتردد على ألسنة الناس المثل الشعبي الذي يقول "مثل أكلات المسحر" لمن يضع في طبقه عدة أنواع من الطعام دفعة واحدة. وأصبح الناس اليوم يجودون بالمال بدل الطعام، فهو الأفضل.

 أما الجولة الثالثة للمسحر فكانت أيام العيد لجمع "العيديات" من الناس. وترافقه في هذه الجولات طبلته التي هي بمثابة هويته الخاصة.

كيف يقضي الدمشقيون أيامهم في رمضان؟

تزدحم الطرقات وتزداد كثافة السير قبيل المغرب، ثم يخيم الهدوء في أرجاء المدينة عند الإفطار، وترتفع أصوات المقرئين من الراديو وآلة التسجيل للتبرك بآيات الذكر الحكيم، ويزداد الإقبال على المساجد والمقاهي، كما تدب الحركة في الأحياء عند السحور.

ويطلق الدمشقيون على  العشر الأُوَل من شهر رمضان "للمرق" لانهماك الناس بطعام رمضان وموائده المتنوعة، حيث تهتم الأسرة الدمشقية بتقديم ما لذَّ وطاب من أصناف وألوان الطعام  كالمرطبات والخشافات المصنوعة من  قمر الدين والزبيب، بالإضافة إلى المقبلات التي تشمل الفتّات بأنواعها؛ الحِمَّص بالزيت أو السمنة" و"فتّة المكدوس"، وصحن الفول المدمس بالزيت مع المخلل .بالإضافة إلى "الحساء" كشوربة العدس والكشك.

وللحلوى نصيب وافر في رمضان، فلا تخلو مائدة من الحلوى الرمضانية المصنوعة من الكنافة والكلاج، بالإضافة إلى البرازق والنهش، كما تظهر أرغفة المعروك وأنواع الخبز الأخرى، وينتشر باعة المرطبات بعد الإفطار.

والناعم أيضاً من الحلويات التي ارتبطت برمضان فقط، يقول منير كيال في كتابه"رمضان وتقاليده الشامية: من الحلويات الرمضانية في دمشق النّاعم أو الجرادق، وهو يصنع من العجين المائع، يضع صانعه صاجاً من النحاس على نار ليّنة، ويطيّنه بذلك العجين حتى إذا جمد العجين على الصاج ينشرونه حتى يجف، ثم يقلونه بالزيت ويرشّون على وجهه مغليّ الدبس على شكل خيوط متداخلة. ويتفنّن صانعو الناعم في إعداده، فمنه الأسمر والأبيض، ويحمله الباعة المتجولون بأقفاص يطوفون بها الأحياء والأزقة والحارات، وينادون عليها بعبارات مسجوعة عذبة: "يللي الهوا رماك يا ناعم... رماك وكسّر عضامك يا ناعم... يالله كل سنة والحبايب سالمة يا ناعم". فيقبل الناس على ابتياعها، حتى أصبح من المألوف مشاهدتهم وهم يحملون أطباقها إلى منازلهم قبل المغرب.

تسُود مدينةَ دمشق خلال شهر رمضان صِلاتٌ اجتماعية فريدة من نوعها؛ ففي مساء أيام الأسبوع الأول من الشهر يتزاور أفراد العائلة للتهاني، وغالبًا ما يكون إفطار أول يوم عند عميد العائلة، وإفطار اليوم الثاني عند أكبر أولاده سنًا.. وهكذا..

 وفي بداية الأسبوع الثاني يأتي دور النساء في التهنئة، فيتبادلن التهاني من عصر كل يوم إلى قبيل الغروب، ومن خلال ذلك تدور أحاديث عن مآدب الطعام، وطرق إعداده، وقد يتعاونّ في ذلك ويتهادين أطباق الطعام، ومن النسوة من تذهب إلى البرية "المقابر" لاستذكار الموتى بعد عصر اليوم الأول من الشهر، وتأخذ معها الطعام والحلوى لتوزيعها على الفقراء.

  

 أما العَشر الوُسْطَى من شهر رمضان فيسمونها "للخِرَق"؛ أي لشراء ثياب وكسوة العيد ولوازمه، حيث تكتظ أسواق دمشق بالمتسوقين، فتنار أضواؤها و تفتح أبوابها حتى وقت السحور وتكاد لا تفرق بين الليل والنهار في مثل هذه الأيام.

 أما العَشر الأواخر من شهر رمضان فيسمونها "صر الورق" حيث تنهمك النسوة "بإعداد حلوى العيد، خصوصاً المعمول المحشو بالجوز أو الفستق الحلبي.

الحكواتي إلى الآن

رغم انتشار الفضائيات وتنوع البرامج المقدمة على شاشات التلفاز إلا أن كثير من الدمشقيين لا يزالون يفضلون قصص الحكواتي ويقصدون المقاهي التي لازالت تحيي هذا الإرث الشعبي في شهر رمضان الكريم.

ويقول الأستاذ منير كيال، عن الحكواتي في كتابه "رمضان وتقاليده الشامية": الحكواتي قصّاص شعبي يتخذ مكانه على سدّة عالية في صدر المقهى.

 والاستماع للحكواتي عادة قديمة، فيجتمع في المقهى عدد من الناس، يختلف بحسب نوع القصة وشهرتها وجودة القصّاص أيضاً. ومن تلك القصص: عنترة والزير وأبي زيد... وهي روايات حماسية تمثل الشجاعة والكرم والحميّة والوفاء والصدق والمروءة والجرأة وحفظ الذمم ورعاية الذمار والجار... إلى آخر ما هنالك من المكارم التي ينسبونها إلى أبطال الرواية، ويجعلون النصر لهم والدائرة على مناوئيهم، ويصفونهم بالجبن والكذب والبخل والرياء والغدر والخيانة والنكث بالعهد، إلى آخر ما هنالك من المفاسد.

وتقدّم تلك الروايات على أقسام، كل يوم قسم. ويتوقف الحكواتي عادة في موقف حرج من الرواية، مما يربط المستمع ويشدّه في اليوم التالي لمتابعة ما حدث للبطل. وحدث أن الحكواتي توقف مرة أثناء قراءة قصة عنترة عند أسره وزجّه في السجن بعد تكبيله بالحديد والأغلال، وصعب على أحد الحاضرين الذين يهيمون بعنترة أن يتركه سجيناً. ولما ذهب إلى منزله لم يستطع النوم، فرجع إلى منزل الحكواتي وأيقظه مهدداً إياه بالقتل إذا لم يخرج عنترة من السجن ويفك قيوده في الحال... فاضطر الحكواتي لمتابعة القصة حتى أطلق سراح أمير الفوارس.

ومن أطرف ما يروى أنه عندما كان يصل الحكواتي إلى زواج عنترة، يقوم عشاقه بتزيين الحي وإقامة الأفراح وقرع الطبول.

 

   

الـوقـفـة والـعـيــد

تروي سهام ترجمان في كتابها "يا مال الشام"، دمشق 1990...عن ذكرياتها في رمضان ووقفة العيد: وتأتي وقفة عيد الفطر بعد طول انتظار وأمل، ونسمع مدافع وقفة العيد، وتقول أمي: "يي ثبتوها! يا أولادي كل سنة وانتو سالمين... روحوا بوسوا إيدين أبوكن" ونركض نقبّل أيادي أمنا وأبينا؛ نقبّل اليد ونضعها على رأسنا ونعايد عليهما، ونبدأ بترديد أناشيدنا المعهودة: "شعل الضو انطفا الضو، قال المدفع بو بو بو..." ثم نصعد إلى النوم المبكر، نغرق في أحلامنا. ويطول الليل... والحذاء الجديد والشريطة الجديدة على مخدّة كل طفل تنتظر الصباح وإطلالة العيد بنوم قلق متقطع.

نحلم بالعيديّة من الأهل والأقارب، والحريّة والألعاب المغرية والمآكل الطيّبة. وعندما نعود مع فجر العيد مع أمي وأبي من زيارة الأموات في البرية، بعد تأدية واجب شكل أغصان الآس والورد على شواهد قبورهم، نقف في شارع النصر مع الناس وقرب "تم سوق الحميدية" لنتفرج على السلاملك.

وعند العودة إلى البيت، تدخل أمنا العزيزة إلى المطبخ لتطبخ لنا الفخدة والرز والملوخية، أكلة اليوم الأول التقليدية في بيتنا، ويبدأ أبي في استقبال الرجال المعايدين:

أهلا وسهلا... كل عام وانتم بخير

أحياكم الله لأمثاله.

كل سنة وأنتو سالمين.

إن شاء الله العيد الجايه بعرفات.

وتوزع القهوة على الضيوف. أمّي تنقر باب المطبخ وأبي "يسناول" منها صينية فناجين القهوة "لأنها ما بتطلع قدّام الرجال الغرب." ثم ينقر باب المطبخ من الداخل... ويتناول منها صينية فيها صحون "الغرَيْبة" و"البرازق" و"المعمول" بالجوز والفستق و"الكرابيج والناطف والسكاكر.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


د. سلام نجم الدين الشرابي

كاتبة ساخرة وصحفية متخصصة في الإعلام الساخر

حاصلة على شهادة الدكتوراه في الصحافة الساخرة بدرجة ممتاز مع توصية بطباعة البحث.

حاصلة على شهادة الماجستير في الصحافة الساخرة من جامعة أم درمان بدرجة امتياز مع توصية بالترفيع لدرجة الدكتوراه


حاصلة على شهادة البكالوريوس في الصحافة من جامعة دمشق.





العضوية:
• عضو نقابة الصحفيين السوريين عام 1998م.
• عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
• عضو في الجمعية السعودية للإعلام والاتصال
العمل:
• مديرة تحرير موقع المرأة العربية لها أون لاين "سابقاً".
• مديرة تحرير موقع صحة أون لاين "سابقا"
• مديرة تحرير مجلة "نادي لها "للفتيات "سابقا"
• مديرة القسم النسائي في مؤسسة شبكة الإعلام للخدمات الصحفية "حالياً"
• كاتبة مقالات ساخرة في عدة مواقع
• كان لها زاوية اسبوعية ساخرة في جريدة الاعتدال الأمريكية
• مشرفة صفحة ساخرة بعنوان " على المصطبة"

المشاركات:
• المشاركة في تقديم برنامج للأطفال في إذاعة دمشق (1996)
• استضفت في برنامج منتدى المرأة في قناة المجد الفضائية وكان موضوع الحلقة " ماذا قدمت الصحافة الالكترونية للمرأة" (3/8/2006).
• استضفت في حوار حي ومباشر في موقع لها أون لاين وكان موضوع المطروح " ساخرون نبكي فتضحكون" ( 16/12/2008م)
• استضفت في قناة ألماسة النسائية في حوار عن الكتابة الساخرة عام 2011
• استضفت في قناة الرسالة الاذاعية في حوار عن تجربتي في الكتابة الساخرة وبحث الماجستير الذي قدمته عنها.
• المشاركة في اللجنة الإعلامية الثقافية لمهرجان الجنادرية عام 2002 م
• المشاركة في الكتابة لعدد من الصحف العربية السورية و الإماراتية والسعودية.
• المشاركة في ورش العمل التطويرية لبعض المواقع الإعلامية .
• تقييم العديد من المقالات الساخرة لبعض الصحفيين والصحفيات

الإصدارات:
• صدر لي كتاب تحت عنوان "امرأة عنيفة .. احذر الاقتراب ومقالات ساخرة أخرى" عن دار العبيكان للنشر
• لها كتاب تحت الطبع بعنوان "الصحافة الساخرة من التاريخ إلى الحاضر


الإنتاج العلمي:
- الدور التثقيفي للتلفزيون.
ورش عمل ومحاضرات:
إلقاء عدد من المحاضرات والدورات التدريبية وورش العمل في مجال الإعلام والصحافة منها:
• دورة عن الخبر الصحفي ومصادره، الجهة المنظمة "رابطة الإعلاميات السعوديات"
• دورة عن الإعلام الالكتروني ، الجهة المنظمة "مركز آسية للتطوير والتدريب"
• دورة عن التقارير الصحفية والاستطلاعات ، الجهة المنظمة " مركز آسية للتطوير والتدريب".
• دورة عن المهارات الإعلامية للعلاقات العامة، الجهة المنظمة "مركز لها أون لاين للتطوير والتدريب.



تعليقات
-- خضر الزهراني -

04 - رمضان - 1428 هـ| 16 - سبتمبر - 2007




كل رمضان وانتم بخير والمسلمين بخير ودمشق بخير وسلام بخير

-- بحر -

26 - شعبان - 1429 هـ| 29 - أغسطس - 2008




كل عام وانتم والشام وأهل الشام وعلماء الشام بخير عميم .
أمنياتي لكم بكل خير

-- أنة حزن - سوريا

12 - رمضان - 1429 هـ| 13 - سبتمبر - 2008




آآآآآآآآآآه ياشام .....

-- امال - الجزائر

08 - جمادى الآخرة - 1431 هـ| 22 - مايو - 2010




والله مافي احلى من عيد الشام كتير حلو مع العلم اني ما زرتها لسوريا وكل عام وانتم بخير

-- فارس هانى - مصر

21 - شعبان - 1433 هـ| 11 - يوليو - 2012




الله اكبر عليك ان انت افتكرت العيد واحلى عيد فى المعتمدية والمحلة والاسكندرية ورأس البر

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...