لها أون لاين.. ثلاثة أيام على حاجز الموت "بالمواصي"! لها أون لاين - موقع المرأة العربية

لها أون لاين.. ثلاثة أيام على حاجز الموت "بالمواصي"!

عالم الأسرة » رحالة
25 - محرم - 1426 هـ| 06 - مارس - 2005


1

منذ ساعات الصباح الأولى التفت جموع الناس حول "جبارة"، يتهافتون للوصول إلى يده لكي يلتقط منهم الهوية المرقمة "هوية المواصي"، وبعد ذلك يذهب بها للجندي الإسرائيلي الذي يحدد وحده من بوسعه أن يعود اليوم إلى بيته في المواصي وفي أي ساعة ومن عليه الانتظار المفتوح.

 قد نكون رسمنا رتوش صورة غير واضحة لما يحدث لأهالي منطقة "المواصي"، ولكي نزيد الصورة السابقة وضوحاً فنقول إن هذه الحال هي حال أهالي منطقة المواصي القريبة من مدينة خانيوس بغزة، هؤلاء المواطنين محصورون بين جموع من المستوطنات الإسرائيلية التي يتطلب أمن مستوطنيها توالي الاعتداءات علي أهلها، ويكفينا أن نقول إن هؤلاء المواطنين لا يستطيعون الخروج أو العودة لمنزلهم إلا عبر حاجز تتحكم به قوات الاحتلال الإسرائيلي.

عند هذا الحاجز تجد نساء يحملن أمتعتهن على أكتافهن النحيلة وشيوخاً ترنو عيونهم إلى البوابة علها تفتح وتنتهي معاناتهم بالوصول إلى بيوتهم، وأطفالاً يصرخون من شدة الجوع والألم فقد طال الانتظار ونفذ الغذاء والماء، وتمر ساعات وأيام ولا يزال المشهد مستمراً منذ سنوات، أما جبارة فهو هذا الفلسطيني الذي يتولى مهمة جمع الهويات من السكان قبل خروجهم من منطقتهم وإرجاع هذه الهويات بعد مناداة قوات الاحتلال بالسماح لصاحبها بالعودة لبيته، ولا بد أن نوضح أن هذه الهوية ليست هوية شخصية بل هوية "مرقمة "، أوجدتها قوات الاحتلال لأهالي المواصي.

"لها أون لاين" كانت في ضيافة سكان "المواصي" ثلاثة أيام لتسجل صوراً حية لمعاناتهم مع حاجز الموت كما أسموه..

بدت ملامح التعب والإرهاق مرتسمة على وجهها، اقتربت منها ولسان حالي يقول ترى ما قصتها وهل لها أن ترويها، نظرت إليَّ بعيون ذبلت من طول الانتظار عرفت نفسها قائلة: "أدعى أم إياد من سكان مواصي خان يونس، أنا الآن أنتظر العودة إلى أطفالي السبعة فقد تركتهم في البيت منذ ثلاثة أيام، لا أعلم ماذا يفعلون الآن في غيابي، أيأكلون أم جياع البطون، لا يوجد من يعتني بهم غيري"، وتتابع والحديث لا يفقه معاناته إلا أهل المواصي: "قلت لهم سأعود بكل ما يشتهونه من حلوى، فقد أحضرتها معي"، وراحت تعرض حقيبتها لترينا ما جلبته لأطفالها، ثم قالت" هذه تحبها أسماء أما هذا النوع من البسكويت فإنه لأحمد" وتستطرد حديثها قائلة "ليتني أعيد لهم البسمة التي غارت في وجوههم منذ زمن بعيد"، سألتها عن سبب مغادرتها لبيتها في منطقة المواصي فأجابت بعد لحظات قليلة من الصمت "خرجت من بيتي للمستشفى، ففي الفترة الأخيرة عانيت من ضيق في صمام القلب وكان عليَّ أن أراجع الطبيب المختص في مستشفى ناصر، خرجت منذ ثلاثة أيام، لم أكن أتوقع ألا أعود إلى منزلي وأطفالي بسرعة كما وعدتهم.. تصمت قليلاً ثم تتابع حديثها الحزين قائلة: "ما زلت أنتظر بفارغ الصبر أن يفتح الحاجز لأعود لأطفالي فإني قلقة عليهم كثيراً"...

 

دموع الماضي آلام الحاضر

تحولت إلى امرأة أخرى هي الحاجة مريم الأقرط "أم عمر" 64 عاماً كانت تفترش الأرض وتضع يدها على وجهها، ملحفة بالسواد من رأسها حتى أخمص قدميها، تارةً تحلق بنظرها بعيداً نحو البحر فتشق أخاديد وجهها بسمة خفيفة للحظة ثم تنكمش وتعود لحزنها وألمها، وتارةً أخرى تتجه به نحو بوابة الحاجز علها تفتح، أما النظرة الأخيرة فقد كانت ترنو بها إلى السماء علَّها تناجي الله أن يجيرها مما أصابها... لقد أثارت اهتمامي فاقتربت منها واستأذنتها في الجلوس والحديث إليها.. لم تمانع، وكأنها كانت تنتظر من يفتح جرحها، الذي ما اندمل يوماً "على حد قولها"، قالت والدموع متحجرة في مقلتيها: لا أستطيع أن أصف لك حجم المعاناة والألم التي نلاقيها وتزداد يوماً بعد يوم، إن كلمة معاناة بكل ما تحمله من ألم وحزن وقسوة قد لا تعبر تعبيراً وافياً عما نلاقيه من تعذيب وتنكيل وإذلال وانتهاك لجميع حقوقنا الآدمية".

وتتابع السيدة الستينية الأمية هجائياً المثقفة واقعياً: "لقد قتلوا أطفالنا وشردونا من بيوتنا، مزقوا شملنا واغتصبوا أرضنا، استباحوا ممتلكاتنا ثم قالوا اذهبوا ليس لكم لدينا أي حق"، تصمت قليلاً تتمتم جهراً: "لم يبق لنا شيء نبكيه سوى الأطلال والحجارة".. هنا أيقنت أن بيتها قد دمر وقد يكون ابن لها استشهد.. سألتها عن القصة؛ أجابت: "كنت أسكن في المواصي ومازلت ولن أخرج منها إلا إلى قبري"، وتتابع سرد الحكاية: "منذ بداية انتفاضة الأقصى تعرضنا لكثير من المضايقات من قبل المستوطنين المتمركزين في المواصي، كانوا في البداية يداهمون بيوتنا بقصد إرهابنا ثم طوروا ممارساتهم العنجهية ضدنا فبدءوا بهدم البيوت وتشريد الأسر وفرض حظر التجول على المنطقة فعشنا في سجن كبير وما زلنا نعيش فيه، لقد هدموا بيتي.. قتلوا فيه كل ذكريات الماضي الجميل وأعادوا ذكريات الماضي الأليم "تقصد الهجرة من بلدتها الأصلية المجدل"، ابتلت عيناها بالدموع التي لم تجاهد مطولاً في إخفائها، قالت: "لم يكتفوا بذلك فها هم ينغصون علينا حياتنا بسياسة الحصار والإغلاق التي ينتهجونها ضدنا"، قاطعتها مستفسرة عن مكان سكناها بعد هدم بيتها، قالت: "لم أرد أن أكرر مأساة الهجرة الأولى فقد فضلت أن أعيش في بيتي المدمر وأقمت إلى جواره خيمة سأقضي فيها بقية أيامي الآتية..

لم تكتمل ملامح الصورة بعد فما زلنا لا نعرف سبب خروجها من بيتها، وهنا تنهدت طويلاً ثم قالت: "لا أخرج إلا للضرورة القصوى، في الفترة الأخيرة، خاصة بعد هدم بيتي بدأت أعاني من مرض السكري، مما جعلني أضطر بين الحين والآخر لمغادرة المواصي إلى مستشفى ناصر للفحص والاطمئنان على صحتي، وتتابع: "خرجت منذ ثمانية أيام إلى المستشفي بعد أن داهمتني نوبة السكر في ساعة متأخرة من الليل، ولم أتمكن إلى الآن من العودة إلى بيتي وراحت تتمتم لو كنت أعلم ذلك ما خرجت أبداً ولكن "قدر الله وما شاء فعل"، ثم تواصل حديثها بكلمات حزينة: "احترفنا الانتظار، بالأمس البعيد كنا ننتظر العودة إلى بلداتنا الأصلية" إلى يافا وحيفا، يبنا والمجدل، أسدود والرملة.. "أما الآن فنحن ننتظر العودة إلى بيوتنا التي لا تبعد عنا إلا مئات الأمتار لكن يفصلنا عنها حاجز اسمه "حاجز الموت".. "المواصي"..

تصمت قليلاً تتحسر على الزمن الماضي والمستقبل القاتم ثم تتابع: يقولون "هراءً إن هناك سلاماً وتهدئة، فما زلنا نداس تحت جنازير الدبابات والجرافات والكل يقف موقف المتفرج الذي يتألم لكنه عاجز عن فعل أي شيء.. لم تمر لحظات طويلة حتى تفاجأت بها تنهض من مجلسها ثم تمشي مهرولة، تعجبت فقد كانت تجلس واهنة ضعيفة، قالت على عجل "سامحيني يا بنتي" لقد نادى "جبارة" باسمي، أخيراً بعد ثماني ليال من الانتظار الطويل سأعود إلى بيتي الذي افتقدت جدرانه رغم تصدعها، تركتني مودعة بابتسامة خفيفة قالت: "علِّي أراك في ظروف أفضل.. دعوت الله أن يستجيب دعاءها، لكني ما زلت أنظر إليها في عجب حتى غابت واجتازت نقطة التفتيش الأولى.

 

الرحلة مستمرة!

كانت الحاجة أم عمر آخر من التقينا في اليوم الأول لرحلتنا التي بدأت الخميس 24 شباط 2005 في حاجز المواصي، إلا أنها لم تكن آخر المنتظرين هناك فمازال كثيرون يودون لو يفتح الحاجز على مصراعيه ليعودوا إلى بيوتهم التي خرجوا منها لقضاء حاجة أو تلقي علاجاً أو لزيارة قريب أو عيادة مريض.. ولكن الجندي أعلن انتهاء الوقت المحدد لدخول المواطنين إلى منطقة سكناهم المواصي وراح يطلق الرصاص ليفرق المتواجدين هناك.. كان المشهد مؤلماً، النساء وقفن في حيرة من أمرهن أين يذهبن فمنهن من لا يملكن عنواناً للمبيت فيه غير بيوتهن هناك في المواصي، منهن من بكت ومنهن من حاولت التفكير بسرعة في حل، وثالثة لملمت أطفالها وبدأت تسير في طريق لا تعلم إلى أين سينتهي بها، أما الأطفال فقد انتفضت قلوبهم من صوت الرصاص بدءوا بالجري لمسافات بعيدة فبعضهم تعثر في حجر فوقع أرضاً يصرخ من شدة الألم أما الكهول فلم يجدوا سوى عصاهم يتكئون عليها ليصلوا إلى مكان آمن ثم يغادروا المكان إلى بيت ابن أو قريب أو فاعل خير يأويهم سواد الليل ومن ثم يعودون في ساعات الصباح الأولى..

قهر وإذلال!

مرة جديدة عادوا إلى نفس الحاجز وعدت معهم، تساءلت هل سيلاقون نفس مصير الأمس أم أن معاناتهم ستنتهي اليوم ويعودون جميعاً إلى بيوتهم وأهلهم؟ لم أستطع الإجابة لكني قرأتها بين السطور "إنها رحلة عذاب طويلة قد لا تنتهي اليوم ولا حتى غداً وقد تستمر إلى ما لا نهاية، فالساعة تشير الآن إلى العاشرة صباحاً ولم يتم فتح الحاجز أمام المارة ولم يتبق من الوقت طويلاً حيث إن ساعات فتح الحاجز محددة مسبقاً من قبل قوات الاحتلال من 9 صباحاً حتى 3 عصراً وعدت أتساءل أيعقل هذا؟! لكن ما من أحدٍ يجيب..

لم تدم دهشتي طويلاً فقد رحت أتنقل بين جموع الناس الذين تواجدوا منذ الصباح ولم يسمح لأحد منهم بالعبور، فهذا زياد محمد الندى 30 عاماً يعمل معلماً في مدرسة "جرير القدوة" بمنطقة المواصي، يقول: لليوم الرابع على التوالي أمنع من الدخول إلى مكان عملي وسكني والحجة أنني مرفوض أمنياً، وراح يتساءل ألم أكن مرفوضاً من قبل والآن رفضت، أم أن مزاج الجندي هو الذي رفضني" معللاً أنه أكثر من مرة خرج من المواصي إلى مدينة خان يونس لقضاء بعض حاجيات أسرته وزيارة أهل زوجته ومن ثم يعود إلي بيته، لم يكن لديه مشكلة أمنية كما يدعون الآن، ويتابع "لقد أصبحت حياتنا جحيماً" واصفاً ظروف الحياة داخل المواصي، خاصة التعليم، فقال: هناك نقص في المدرسين العلميين، خاصة في المرحلة الثانوية بالإضافة إلى النقص الحاد في وسائل التكنولوجيا الحديثة في المدارس كالحواسيب، مشيراً إلى مشكلة اكتظاظ الطلاب في الفصل الواحد حيث يصل عددهم إلى ما يزيد على 60 طالباً، قائلاً: إن السبب في ذلك هو وجود ـ فقط ـ مدرسة ثانوية واحدة لمنطقتي مواصي رفح وخان يونس ومدرسة أساسية عليا لمنطقة مواصي خان يونس، ثم تطرق إلى الخدمات الصحية فقال: إن المنطقة تعاني أيضاً من نقص في المعدات الصحية، خاصة أجهزة قياس ضغط الدم والسكر بالإضافة إلى افتقارها إلى أطباء متخصصين وكذلك الأدوية لا يوجد غير "الأكمول" فقط لكل الأمراض والأوجاع.. وتابع: الحياة باتت مملة قاتلة لا شيء سوى القهر والإذلال.

انتهت الرحلة.. ولم تنته المعاناة!

انتهت رحلتنا على حاجز المواصي التي امتدت ثلاثة أيام لكن معاناة الأهل هناك لم تنته، غادرنا الحاجز، ومازال كثيرون من السكان عالقين عليه لا يعلمون متي سيعودون إلى بيوتهم.. النساء أرهقت، والشيوخ وهنت أجسادهم من طول الانتظار، أما الأطفال فقد بدت وجوههم شاحبة تجردت، غابت عنها الابتسامة، عيونهم حزينة دامعة وأجسادهم نحيلة ضعيفة فليس هناك غذاء يقيهم الجوع سوى فتات البسكويت وقليل من الماء.. الجميع هناك ما زال ينتظر الرحمة من قلوب خلت من الرحمة! ينتظرون ولسان حالهم يقول.. إلى متى ستمتد رحلة العذاب هذه؟ إلى متى سيبقى العالم يتخذ موقف المتفرج؟

ألا تملك حكومتنا الجديدة أن تضغط على قوات الاحتلال الإسرائيلي في أن تفتح حاجز المواصي لمدة 12ساعة فقط وليس 24 مثل حاجز أبو هولي؟ ما نطلبه هو أبسط حقوقنا في العيش الكريم فهل من مجيب؟!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


ميرفت عوف

صحافية تعيش في قطاع غزة، مهتمة بشئون المرأة، وكتابة التقارير الاجتماعية والإنسانية، عملت مع عدة الصحف الفلسطينية والعربية.


تعليقات
-- اياد اللحام - فلسطين

05 - ربيع أول - 1426 هـ| 14 - ابريل - 2005




بل و نعيش اوضاع اكثر سوءا فنحن نفتقرالى اضاءة منازلنا داخل المواصي نفسها لايمكنك التحرك بحرية حتى المصايف البحرية هدموها

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...