نحو طفل مسلم ( 1 من 3)

عالم الأسرة » أمومة وطفولة
01 - جماد أول - 1423 هـ| 11 - يوليو - 2002


بقلم : عائشة

خلق الله الخلق مفطورين على معرفته ومحبته ، قال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم}  وقال – صلى الله عليه وسلم –: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تفسير معنى الفطرة، على أقوال، أهمها: إنها الإسلام أو الإيمان أو الإقرار بمعرفة الله عز وجل أو التهيؤ بالطبع لقبول الدين .

وعلى هذا المفهوم يتيقن الأبوان أن الإيمان بالله والإقرار بوجوده يعتبر قضية مسلّمة في نفس الطفل وعقله لا تحتاج إلى إثباتها، بل قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن الفطرة لا تقتصر على الإقرار والإيمان بالله، بل تميل بطبعها إلى الخير والحق  وتصدق به وتحبه، وتبغض الشر والباطل وتكذب به وترفضه ". فإذا كان الأمر كذلك أصبح من السهل على الوالدين توجيه الطفل وتركيز ذلك المفهوم في نفسه.

وليس أدل على ذلك من حرص الإسلام على أمر التوحيد والعقيدة منذ اللحظات الأولى للطفل، حيث استحب التأذين في أذن المولود حين يولد. وسر التأذين (والله أعلم) أن يكون أول ما يقرع سمعه كلمات الأذان المضمنة لكبرياء الله وعظمته والشهادة التي هي أول ما يدخل به في الإسلام. مع ما في ذلك من فائدة هروب الشيطان الذي يتربص به حين يولد.. وقد جاء في  الحديث "افتحوا على صبيانكم بلا إله إلا الله ولقنوهم عند الموت لا إله إلا الله".

ومن أول أمور العقيدة التي يبدأ الأبوان بتلقينها للطفل لفت انتباهه إلى المظاهر الكونية وربطها بخالقها؛ لتنغرس في نفسه محبة الله تعالى، فيقال له مثلاً: انظر إلى جمال هذه النخلة.. وهذه الوردة.. انظر إلى صفاء السماء.. من أوجدها؟ من خلقها؟ فإذا قال الطفل مثلاً: هذه النخلة زرعها الفلاح.. يقال له: هذا صحيح.. الفلاح هو الذي زرع البذرة في الأرض.. ولكن لو لم ينزل الله المطر عليها لم تنبت.. ولو لم تشرق الشمس عليها لم تنبت، والله تعالى هو الذي ينزل المطر ويخرج الشمس، والفلاح لا يستطيع ذلك.. هل رأيت كيف  أن الله هو الذي يخلق الزرع؟ وهكذا يبين الأب أو الأم لأولادهم مظاهر قدرة الله في خلقه في الإنسان والحيوان والنبات.

والخطوة الثانية: أن يبين للطفل أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، فيقال له ـ مثلاً ـ:  أرايت كيف أن الله يحبك؟ سخر لك الماء والشمس والأرض والفلاح.. لهذا يجب علينا أن نحبه ونشكره فنصلي له ونصوم ونطيعه..

متى يبدأ الأبوان تلقين الطفل أمور العقيدة ؟ للجواب عن هذا السؤال نسوق رأي الإمام ابن مسكويه ـ رحمه الله ـ حيث يقول: "إذا أحس الطفل بالقبيح وتجنبه وخاف أن يظهر منه؛ استدل بذلك على خلق الحياء فيه وعلى عقله، وتصبح هذه النفس مستعدة للتأديب، صالحة للعناية، يجب أن لا تهمل ولا تترك".

 ولعل سن الرابعة أو الخامسة ـ وربما أقل ـ أنسب لمثل هذه التربية، وقد جاء في حديث عبدالله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "يا غلام، إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك.. إذا استعنت فاستعن بالله، وإذا استعذت فاستعذ بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف".

فهذا الغلام كان في سن السابعة من عمره تقريباً، وقد أعطاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هذه التحصينات العقدية الكاملة وأعطاه فكرة الإيمان بالقضاء والقدر.

وكثيراً ما يسأل الأطفال حول أمور العقيدة، ويرى علماء النفس أن الأطفال شديدي الذكاء هم الذين يطرحون أسئلة غيبية أو محرجة أحياناً للوالدين.. فينبغي أولاً: تحمل مثل هذه الأسئلة وتقبل طرحها، وأن لا يزجر الطفل إذا لم يخطئ.. كما يجب أن تكون الإجابة واعية سليمة، ليس فيها غموض أو قول على الله بلا علم، بما يتناسب مع سن الطفل ومستوى إدراكه.

وقد يخطئ المربون فيقدمون للطفل تفسيرات دينية غير ملائمة.. وحينئذ إما أن ينبذها كما ينبذ أية فكرة لا تتسق مع تكوينه النفسي، وإما أن يتقبلها على مضض مجاملة للأهل وضماناً لاستمرار عاطفتهم، ولكنه تقبل مؤقت يخفي وراءه معارضة مكبوتة.

فالإجابة الواعية أمر ضروري لسلامة عقيدة الطفل.. فإذا حُدِّث مثلاً عن الجنة وسأل عن أمر يحبه من الحلوى أو الألعاب، يقال له:  الجنة فيها كل ما تشتهي، ويتلى عليه قول الله عز وجل: {وفيها ما تشتهيه الأنفس} فإذا سأل: أين الله؟ يقال له: في السماء.. وهكذا.  كما ينبغي الاقتصاد في الإجابات في مثل هذه السن، ولا ينبغي الخوض كثيراً في الحديث عن النار والتخويف؛ لأنه في مثل هذه المرحلة كثير الخوف قليل التحمل.  

على الأبوان أن يحرصا على أن يحفظ الطفل أصول دينه، وهي الأصول الثلاثة:  من ربك؟ من نبيك؟ ما دينك؟ وهي أولى بالحفظ من الأناشيد ونحوها..

ومن أهم أمور العقيدة التي ينبغي غرسها في نفس الطفل: استشعار مراقبة الله تعالى له في كل أوقاته، وأن الله مطلع على أعماله كلها ومحصيها ومحاسبه عليها، وتذكيره بأن الله قد وكل به ملائكة لا يفارقونه إلا عند قضاء الحاجة، يحصون عليه أعماله ويكتبونها.. وعلى الرغم من أن الطفل في هذه المرحلة غير محاسب؛ لأنه دون التكليف، إلا أن غرس هذه المراقبة لله والخوف من المعصية أمر لابد من غرسه مبكراً حتى يشب الطفل عليه.

ومن أصول العقيدة التي يجب تعليمها للطفل:  محبة النبي – صلى الله عليه وسلم –، فيتعرف على اسم نبيه فهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، ويتلى على مسامعه قصة طفولته، ويذكر له شيء من شمائله التي يدركها الصغار، كرحمته بالحيوان وعطفه على الفقراء ومداعبته للأطفال ونحو ذلك.  ويركز أثناء ذلك على تعويد الطفل الصلاة والسلام عليه عند ذكر اسمه.

ومما ينبغي ذكره: استغلال الخيال الكبير الذي يعيشه الطفل في هذه المرحلة في تعميق العقيدة في نفسه، فالأم العاقلة تستفيد من صفات طفولة أبنائها في خدمة عقيدتها، وبحدود مرضاة الله، فبدلاً من إرضاء الخيال النامي عند الطفل بقصص خرافية وأساطير وهمية ـ قد لا تجلب لهم إلا العنف والبعد عن الواقعية ـ تستغل هذا في قضية الإيمان بالغيب، فتتحدث له عن الملائكة وصفاتهم وأجنحتهم ووظائفهم؛ شريطة ألاَّ تثبت في عقولهم صورة خاطئة فتستقر في نفس الطفل، كالتي تنشرها وسائل الإعلام عن طريق الرسوم المتحركة مما يعطي انطباع خاطئاً للطفل.

ومما يجدر الانتباه له: ضرورة غرس عقيدة الإيمان بالقدر في نفس الطفل منذ صغره، فيفهم أن الرزق مقدر، وأن الاعتماد على الله واجب ، ويربط له بين الأسباب ومسبباتها، فيقال له: إن المال نعمة من الله، فإذا قال: بل أبي أحضره من العمل.. يقال له: لو لم يكن لأبيك عقل وعينان ونحو ذلك لما استطاع أن يعمل، فالله هو الذي رزقه هذه النعمة.

ومن حرص الإسلام على تنمية الاعتماد على الله في نفس الطفل، ونبذ ما سواه: النهي عن تعليق التمائم على أعناق الصبيان، تعويداً لهم على الاعتماد على الله وحده، وقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له" (رواه أحمد).

كما لا ينبغي أن تشوه معالم العقيدة عند الطفل، فالموت ـ مثلاً ـ نهاية حتمية لكل حي.. وهكذا ينبغي أن يفهم الطفل أن من ينتهي عمره يموت، وليس الموت عقوبة لأحد، ولهذا لا ينبغي للأبوين أن يستعملا كلمة الموت للتهديد، كقولهم للطفل: سنضربك.. سنموّتك.  فيعتقد الطفل أن الموت عقوبة وليس نهاية ينتظرها الجميع.

ومن أمور العقيدة المهمة: تعريف الطفل بالشيطان وأنه يغوي الإنسان، وأنه لا يجوز أن يخاف منه أو يتقرب إليه، وأن الوسيلة الصحيحة لطرده هي الاستعاذة ويعود الطفل أن يعوذ نفسه عند النوم.

وأخيراً:.. لا عزة إلا بالإسلام. وهذا المفهوم لا بد من غرسه في الطفل فيدرك انتماءه للإسلام ويفخر بذلك ويردد:  "أنا مسلم"، ولا بأس أن يحفظ شيئاً من الأناشيد التي تبعث في نفسه الشعور بالعزة بالإسلام، ويعطى فرصاً لإلقائها بين أفراد العائلة وأمام العيون؛ لينمو ذلك الشعور في نفسه، كما أن هذا الشعور يجعله يتميز في مجتمعه، ويبذر في نفسه عقيدة الولاء والبراء التي هي أوثق عرى الإيمان، وأن يخالف الكافرين في العقيدة والسلوك والمظهر..

ولعل من أعظم الجناية على الأطفال: تمييع مظاهر هذه العقيدة في نفوسهم، فينشأ الطفل وقد عوّده أهله محبة رموز الكفر والضلال من أهل الفن أو الرياضة ونحوها، بل قد يحمل صورهم في ملابسه وعلى صدره. وهذا كله من مسؤولية الأبوين أمام الله تعالى ، ثم أمام مجتمعهم وطفلهم.



روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...