هاجر الأم لها أون لاين - موقع المرأة العربية

هاجر الأم

مع هاجر (2)

عالم الأسرة » شؤون عائلية
19 - ذو القعدة - 1430 هـ| 07 - نوفمبر - 2009


1

ماء.صحراء مكة القاحلة.. حيث لا زرع ولا ماء .. ولا أنيس ولرفيق. .. تركها زوجها هي والعظيمة.ثم مضى في طريق عودته، وترك لهم تمرًا وماءً .. هنا كانت بداية ظهور بطولة الأمومة، وأمومة البطولة.. بطولة أخرجت لنا أبو العرب.. أخرجت لنا الابن البار بأبيه صاحب الكلمة المشهورة: (افعل ما تؤمر) .. أخرجت لنا إسماعيل الغلام الحليم.. إسماعيل الذي تدفق تحت قدميه ماء زمزم، ثمرة من ثمرات التوكل، وبركة له ولمن جاء بعده، ممن سار على نهجه.. إسماعيل الابن البار بوالده في لحظة تعجز الجبال عن البر (ستجدني إن شاء الله من الصابرين)..

أمومتها تتحرك

نفد الماء والزاد، والأم لا تجد ما تروي به ظمأ طفلها، وقد جفّ لبنها فلا تجد ما ترضعه.. فيتلوى الطفل جوعًا وعطشًا.. ماذا تفعل إن كاد صغيرها أن يموت من شدة الجوع.. إن صرخات صغيرها كطعنات خنجر في جسدها. فتسرع هاجر، الأم الصبور صاعدة نازلة الصفا والمروة.. لتنظر أحدًا ينقذها هي وطفلها من الهلاك، أو تجد بعض الطعام أو الشراب.. أي مشاعر تتحرك بداخلك الآن يا هاجر؟! .. وبعد سبع مرات صعوداً ونزولاً حتى تمكن التعب منها؛ وأوشك اليأس أن يسيطر عليه: هنا يبعث الله عز وجل جبريل عليه السلام فيضرب الأرض بجناحه؛ لِتَخْرُجَ عينُ ماءٍ بجانب الصغير، فتهرول الأم نحوها، وقلبها ينطلق بحمد الله على نعمته، وجعلت تغرف من مائها، وتحاول جاهدة إنقاذ فلذة كبدها، وتقول لعين الماء: زُمّ زُمّ، فسميت هذه العين زمزم.. ويقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم لكانت زمزم عينًا معينًا) رواه البخاري.

الأب الغائب والأم العظيمة .

وكانت: (إذن لن يضيعنا الله) إشارة إلى أن هاجر الأم هي التي ستتحمل المسؤولية. وأن عليها لعب دور الأب والأم على السواء. كل هذا في بيئة ليست صالحة للحياة أصلاً. وما ظهر لنا مشهد أو مشهدان، مشهد يوم أن نفذ الماء وكان خروج ماء زمزم، ومشهد يوم أن جاءت القبيلة تطلب الجوار.

ولكن ماذا خلف الكواليس؟! كم ليلة قضتها تعانى مع رضيعها؟! كم احتاجت لمال ولم تجد؟! كم احتاجت لونيس وأنيس ؟! .. تُرى كيف مرت عليها الأيام والليالي؟!

ألم يقولوا أن رب الأسرة إذا غاب لا يستقيم حال الأسرة؟! : أليس الأب هو الحامي للأسرة؟!.. أليست مهمته أن يسد الحاجات المادية والمعنوية؟! .. لقد قالوا كلاما كثيراً عن خطورة الأب عن الأسرة.. ولكن المرأة إذا صنعها الإيمان بذت آلاف الرجال قوة وصبرا وجلدا وتحملا..

 حقا كانت هاجر نموذجاً فريداً لأم ثبتت ولم تهن،  لقد قامت بدور ربان السفينة.. ومع هذا أخرجت لنا نموذجاً لإنسان سوي.. ليس معوجاً نفسياً ساخطاً على مجتمعه؛ بل صالحا ومصلحا و قادرا و منتجا.

لم تتعلل أمه أن أباه غير موجود؛ ولا يشاركها تربية ولدها! وإن كان تؤمر.وره الهام؛ إلا أنها تضرب أروع المثل وأعظم الدروس فى الأمومة الحقة. الأمومة الشفيقة التي لا تتخلى عن دورها و لو كانت الظروف قاسية بل حالكة الظلام.

 حُق لك يا هاجر أن تكونِ قدوة للأمهات.. قدوة في التربية.. قدوة في التضحية .. قدوة في أداء المهمة.. فلكم تعبتِ!  ولكم كانت مهمتكِ شاقة؟! .. فحق لكل مسلم أن يسعى بين الصفا والمروة مخلدا ذكراك الرائعة. ذكرى البذل والعطاء والتضحية والفداء!

حافظة للأمانة

وحين استأذنت قبائل جـُرهم: هاجر في السكنى في الرحاب التي حول زمزم ـ وكان ذلك قبل بناء سيدنا إبراهيم للكعبة ـ: أذنت لهم هاجر.. ونرى في إذنها أنها تدرك أن الطفل لا بد أن ينشأ في مجتمع يعايش ويتعايش.. يتعلم حكمة الكبير المجرب، وعلم العليم، وحلم الحليم، وشجاعة الجسور.. كل هذا تعلمه، ولكن مع كل هذا تدرك أن لزاماً أن تحافظ على الأمانة التي وضعت بين يديها .. لقد بذلت جهدها في أن تحافظ على صغيرها من انحراف المنحرفين .. لا شك أن الصغير رأى وسمع ما عليه بعض الشباب من سقطات؛ ولكنها وقفت صلبة قوية أمام كل هذا.. وقفت لتورث ولدها ما عاهدت زوجها عليه وما عليه أبوه.. ورثت الولد البر والطاعة والإخلاص.. ورثته كل هذا؛ فكان نعم المعين له أن يمر بمراحل عمره دونما سقوط وما شابه.. فكانت هاجر حافظة لأمانتها حق الحفظ ..

افعل ما تؤمر ..

وما أجمل ما قاله ابنكِ إسماعيل : (يا أبتِ افعل ما تؤمر) ولم يقل : (افعل ما تريد) : ليبين لنا ويعلمنا أنه عبد لله وأن طاعته لأوامر الله.. وأنه ليس أقل حبا لله من أبيه.  وهنا لا يعين الابن أباه على طاعته لخالقه فحسب.. بل يتنافس معه في امتثاله لأمر الله.. افعل وستجدني صابراً.. أطع وستجدني مطيعاً .. وكله بمشيئة الخالق.

هذا ما قاله الابن البار لأبيه.. الابن الذي بُذل جهداً خارقاً في تربيته .. ولكن أتشعرون معي بكلمة " يا أبت " ؟! .. إنه يتلقى الأمر لا في طاعة واستسلام فحسب، ولكن في رضا ويقين " يَا أَبَتِ " في مودة وقربى، فشبح الذبح لا يزعجه ولا يفزعه ولا يفقده رشده؛ بل لا يفقده أدبَه ومودته مع أبيه. 

(افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) فهو يحسّ ما أحسه من قبل قلب أبيه ، يحس أن الرؤيا إشارة ، والإشارة أمر ، ولابد من تنفيذ الأمر  دون تململ أو تردد بل إقبال وتسليم من غير حرج ..

 .. أليست هذا كله جهد جواحدة.أم في تربية ولدها ؟! .. أليست هذه نتيجة ما قدمت وثمرة ما زرعت ؟! ..

ولم يحدثنا القرآن ولم يذكر التاريخ عن موقف هاجر وكيف تلقت نبأ الذبح..  لكن التاريخ أخبرنا أنها أخذت تقذف إبليس اللعين بالحجارة.. حين جاء ليحرك أمومتها فلم تكن أقل حبا لله من زوجها وابنها الوحيد ..

 لقد أطاعت زوجها وتركت صبيها دون أن تعترض ولو بكلمة واحدة؛.. رغم تمزق قلبها واحتراقه على فلذة كبدها وابن عمرها.. لم تعترض ولو بكلمة واحدة .. أي أم أنتِ يا هاجر ؟! .. بالطبع لا نشك في أمومتك، فبداخلك أمومة تفوق أعظم الأمهات، ولكن الإيمان يصنع المعجزات.. فأنتِ التي كنتِ حريصة كل الحرص على حياته، وتسعين بكل جهدك بين الصفا والمروة بحثا عن الماء؛ لتحافظي على حياته.. أنتِ الآن من تقدمينه لله بكل رضا وطمأنينة.

ولكأني اذكر ما قاله أحد قادة حماس أعلى.سُأل :- ألا تحبون أولادكم ؟! .. ألا تجرى عواطف الأبوة والأمومة بعروقكم ؟! .. كيف تدفعون أولادكم لعمليات استشهادية يفارقونكم بها ويموتون ؟!  فكانت الإجابة.. ما أعمقها وما أروعها ؟! .. قال: يا سيدي إن حبنا لهم يفوق كل حب ولأننا نحبهم نريدهم بجوارنا أبد الآبدين .. فاللقاء الذي لا فرق بعده في فردوس أعلى .. فمرحباً بشهادة يعقبها لقاولده:راق بعده..

 

والحمد لله مضى الاختبار ولم تقطع السكين، بإرادة الله عز وجل، عندها فداه الله عز وجل، بكبش عظيم  من الجنة.

ليبقى رمزا خالدا لبذل المهج والنفوس رخيصة في سبيل الله تعالى.

غير عتبة بيتك ..

إنه الأب الحاني الذي يتفقد ولده : وقد حُفظ لنا مشهدان لزوجتين تزوجهما ولده إسماعيل .. والأب ينصحبابك)؛:  (غيِّر عتبة بابك).. (ثبِّت عتبة بابك) ؛ وهنا تأتى من تخلف هاجر الحبيبة التقية الموصولة بربها : (نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ ) .. هو هو نفس رضا هاجر . هي هي الصلة بالله.. قالت ذلك والرسول صلى اللحالها:وسلم يقول عن حالها :-« وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ » ..

وجاءت الزوجة التي تجدد مثال هاجر؛ صبراً، وسماحة نفس، ورضا ؛ وشظف الحياة يحيطها من كل جانب، ويطل عليها من كل باب، ويطالعها كل صباح، وتكتحل به في كل مساء : (نحن بخير وسعة) . 

يقول الأستاذ رفاعي سرور في كتابه (بيت الدعوة): (مع الحب يأتي الرضا؛ فالزوجة عندما تكون راضية عن زوجها وعيشها؛ فإن هذا الرضا يمثل في حماية البيت طاقة الدفاع الكاملة. وإن كانت غير راضية فستخرب بيتها بيدها؛ ولذلك نجد أن سيدنا إبراهيم عليه السلام عندما زار ابنه إسماعيل ووجده قد تزوج؛ فسأل زوجته عن الحال والمعيشة فقالت: الحال في ضيق؛ فرأى إبراهيم أنها غير راضية فقال لها :- " إذا جاء إسماعيل فأقرئيه مني السلام، واطلبي منه أن يغيِّر عتبة بابه" ؛ فلما جاء إسماعيل أخبرته بما حدث؛ فقال لها :- " أنت العتبة.. الحقي بأهلك "، وطلقها..

فنجد في هذا الحديث أن إبراهيم سمع قول الزوجة؛ فأمر إسماعيل بأن يطلقها دون أن يتبين حالتها فعلا؛ لأن المسألة لا تتعلق بحالة الزوجة الفعلية؛ بل تتعلق بإحساسها بحالها ومعيشتها.. وقد كان هذا الإحساس وحده كافيا لأن يحكم إبراهيم الخليل عليه السلام بطلاقها؛ إذ أنه لا أمان للمرأة التي لا تشعر باستقرارها وسعادتها مع زوجها في بيته، كما أن إسماعيل لم يتردد في تنفيذ ما طلبه إبراهيم ؛ لأنه يعلم: أن هذا هو الحق .. )

انتظرونا في الحلقة القادمة ..

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


محمود القلعاوي

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين


تعليقات
-- أم السيوف - مصر

20 - ذو القعدة - 1430 هـ| 08 - نوفمبر - 2009




فى الحقيقة أنا متابعه السلسلة وهى رووووووووعة وفيها معانى جميلة اوى .. بارك الله فيك يا كاتب المقالة الأستاذ محمود القلعاوى

-- أبو حسام - مصر

20 - ذو القعدة - 1430 هـ| 08 - نوفمبر - 2009




شكر الله لك شيخنا الجليل .. ونفعنا الله بعلمك ... وإلى الأمام

-- أبو عبدالله - مصر

20 - ذو القعدة - 1430 هـ| 08 - نوفمبر - 2009




هذه هي الأم الحقيقية التي يجب أن تقتدي بها كل مسلمة وكل زوجه تحب أن يرضى الله عنها وأحب أن أتوجه بالحديث إلى نساء وزوجات مصر خاصة أن هذه أمكم هاجر المصرية هكذا يجب أن تكونوا
وجزى الله أستاذنا محمود القلعاوي على هذا الموضوع المتميز وفي أنتظار المزيد من أبداعكم وجزاكم الله خيرا

-- أبو ياسمين - مصر

20 - ذو القعدة - 1430 هـ| 08 - نوفمبر - 2009




جزاك الله خيراً شيخنا الكريم على هذه المقالة التي نحن في حاجة إليها في مثل هذه الأيام ، فما أمس حاجتنا إلى زوجة صالحة تطيع ربها وتثق به ثم تطيع زوجها ، وما أحوجنا إلى أبن صالح يطيع والديه فما أجمل ما قال الابن لابيه يا أبت أفعل ما تؤمر . فبارك الله فيك شيخنا الكريم وزاتدك الله علماً كثيرا

-- ابو بكر القاضى - مصر

20 - ذو القعدة - 1430 هـ| 08 - نوفمبر - 2009




جزاك الله خيرا شيخنا

-- ابوعمر الشروق - مصر

21 - ذو القعدة - 1430 هـ| 09 - نوفمبر - 2009




نحن شمعة نحترق من اجل الأخرين
جزاكم الله خيرا
وجعلكم الله زخرا لهذا الدين
وتقبل من صالح الأعمال

-- أبو أيوب - الجزائر

22 - ذو القعدة - 1430 هـ| 10 - نوفمبر - 2009




لاشك أن المسلم قرأ ويسمع في كل عام قصة سيدنا ابراهيم وامنا هاجر وابنيهما اسماعيل وكل كاتب يعالج القصة باسلوبه ومن زوايا مختلفة ولعل استاذنا محمود قد أضاف لمسات واشراقات يشعر بها القارىء وانا من زمان ابحث ما يروي عطشي عن مسائل لا ادري لعل الاستاذ قد يتطرق اليها في الحلقة القادمة وهي 1/ كيف كانت العلاقة بين ابراهيم وهاجر هل كان هاجرا لها؟ ولولدها فلا يراهم إلا بعد سنيين؟ وهل يمكن لنا اخ احكام من قصته؟ فهل كان عادلا بين زوجاته كما حث نبينا مثلا أم شرع ما قبلنا ليس شرع لنا؟ وهل اخطات ....خطأ يوجب الطلاق بدل الاصلاح ؟ وهل اخطأ اسماعيل في الاختيار؟ ولم ينتبه لسوء امراته؟ هذه تساؤلات اطرحها أرجو ألاّ تكون معكرة لصفاء المقال وبهاء اسلوبه وعمق طرحه

-- عبدالله حمد - مصر

22 - ذو القعدة - 1430 هـ| 10 - نوفمبر - 2009




جزاكم الله خيرا وأتمني أن يأتي اليوم الذي يدرس فيه هذا التاريخ لأولادنا في المدارس
ولكن لفظ (لعب دور) لايأتي في مثل هذه المواقف الجادة لأنها قامت بالفعل بمهمة الأب لم يكن الأمرفيه تصنع أوتمثيل

-- فجر الدعوه - السعودية

23 - ذو القعدة - 1430 هـ| 11 - نوفمبر - 2009




هذه القصه فيها من العبر الشيء الكثير .... فياليتنا نعتبر

-- طارق عفيفي - مصر

25 - ذو القعدة - 1430 هـ| 13 - نوفمبر - 2009




بارك الله فيك ياستاذ محمود تناولت الموضوع بشكل جديد ونتمنا المذيد ورجاء لاتنسوا اخونكم في غزة من الدعاء و...................

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...