عام مضى.. وعام أتى

دعوة وتربية » نوافذ
02 - محرم - 1427 هـ| 01 - فبراير - 2006


عمرنا الحقيقي هو كل لحظة قضيناها في طاعة الله تعالى، وعمرنا المعلوم بداهة هو الأيام والليالي التي تمضي ومعها تنقص أعمارنا أيضاً بداهة، ونتأمل ما حولنا فنجد من يتغافل عن هذه الحقائق التي يدركها كل حي عاقل، ومع غياب شمس آخر أيام ذي الحجة وبدء أول ليالي شهر الله المحرم، نعلن نحن المسلمين أن عاماً هجرياً قد مضى وعاماً هجرياً جديداً قد بدأ، فماذا يعني ذلك عند أولي الألباب؟ إنه يعني الكثير عندهم:

المسلم المستثمر الحقيقي لعمره والذي يراقب تذبذب تقواه وإيمانه بين زيادة ونقص يتأمل العام الذي مضى فيجده قد ودعه بذخيرة عظيمة من الأعمال الصالحة التي اجتهد فيها، فقد أكرمه الله الكريم بحضور شهر شعبان فصام أكثره اتباعاً لهدي الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أعقبه بصيام رمضان إيماناً واحتساباً، واعتكف عشره الأواخر وتصدق ووصل الرحم وكظم غيظه ولم يرد على من سابه أو قاتله، وخرج لصلاة عيد الفطر في انتظار توزيع الجوائز، ثم أعقب رمضان بست من شوال فكأنه صام الدهر، ودخلت عليه الأشهر الحرم من ذي القعدة فعظم فيها مولاه بعدم ظلم نفسه، يقول تعالى: " إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ " (التوبة/36).

وظلم النفس يكون بترك العمل الصالح في الأيام الفاضلة، ثم دخلت عليه عشر ذي الحجة فأحياها صياماً وبذلاً لكل عمل ونية، وقول يحبه الله وإن كتب الله له الحج فهو قد دخل في رحمة الله فيرجو من خالقه أن يخرجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وهكذا ينتهي عامه في تتابع لأعمال صالحة يرجو من الله قبولها ليبدأ عاماً جديداً بصيام السنّة للتاسع والعاشر والحادي عشر من أيامه، وبالاستكثار من صيام باقي أيامه ليملأ قلبه بقوة إيمانية تمده بزاد لا ينقطع في الازدياد من الطاعات والتورع عن الحرام، بل عن الشبهات.. ويظل يتشوق لبلوغ أيام التزود الكبرى من جديد، فيدعو الله أن يبلغه رمضان والحج ليعيش حياة الشوق دائماً نحو المعالي لأن له نفساً تواقة منافسة للوصول ليس فقط للجنة، بل للفردوس الأعلى كما علمنا الحبيب صلى الله عليه وسلم:]فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة[ (أخرجه البخاري).

والذي يحرك هذا المسلم المستثمر نحو كل ما سبق هو همته التي توضح قيمته، فقيمة المرء ليس ما يحسنه، بل قيمته همه ومطلبه وأول نبضات الهمة الصحيحة كما يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ همة تصون القلب عن وحشة الرغبة في الفاني وتحمله على الرغبة في الباقي وتصفيه من كدر التواني ثم الهمَّام يأنف أن ينزل من سماء مطلبه العالي، فهو في سفر دائم بالقلب إلى الله ليحصل له ويفوز به، فإنه طالب لربه تعالى طلباً تاماً بكل معنى واعتبار في عمله وعبادته ومناجاته ونومه ويقظته وحركته وسكونه وعزلته وخلطته وسائر أحواله، فقد انصبغ قلبه بالتوجه إلى الله تعالى أيما صبغة، وهذا الأمر يكون لأهل المحبة الصادقة.

ثم هذا المستثمر الصادق الموفق بتوفيق الله ينتهي عامه بآمال قد تحققت على أرض الواقع بأعمال وأهداف وإن لم تكن كلها فقد تحقق أكثرها وما بقي من آماله، فهو في طريقه للتحقق في عامه الجديد، فيظل الأمل الصادق معه يتقلب حتى يخرجه إلى الواقع أعمالاً مستمرة لا ينقطع أجرها، فهو يتابع بإخلاص في كل أعماله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ويسن سنناً حسنة حيثما حل وارتحل، لا يعبث به اليأس ولا يقعده طول الأمل المتجرد من العمل ولا يقتله الإحباط ولا يرده للخلف التواكل والتفاخر والإعجاب بعمله، فهو في صدق متنامي، فأول الصدق كما يشرحه ابن القيم في مدارجه: صدق القصد، وبه يتلافى كل تفريط ويتدارك كل فائت ويعمر كل خراب، وعلامة هذا الصادق أن لا يتحمل داعية تدعو إلى نقص عهد ولا يصبر على صحبة ضد ولا يقعد عن الحد بحال، وذلك كمال العزم وقوة الإرادة بأن يكون في القلب داعية صادقة إلى السلوك وميل شديد يقهر السر على صحة التوجه، فهو طلب لا يمازجه رياء ولا فتور.

وكم كان صادقاً ابن القيم وهو يصف حال كل مسلم صادق في سلوكه درب القمم ليعيد لأمته عزتها في كل مجال يتيسر له في خاصة نفسه وأهله ومقر عمله وشارعه وخادمه، بل حتى البعيدين عنه، فهو يراسل بالشبكة العنكبوتية ويكتب ويرد ويصحح، ثم هو يبتهل للرحيم المجيب أن يلهمه رشده ويقبل عمله ويرزقه قبولاً ويسدد خطا المسلمين نحو الوصول للحق.

وهكذا في كل عام يمضي أو يأتي نراه لا يكف عن الحركة أبداً؛ لأن الحياة لم تقف، لذا فهو أيضاً يجب ألا يقف خاصة وهو يرى أمامه في وضوح تام أعداء دينه لا يفترون عن الكدّ لدينهم بلا كلل أو ملل وهم على باطل لا شك فيه، أفليس هو أولى بذلك ودينه حق لا يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه؟ بلى.

ثم هذه الصورة الناصعة البياض أملاً وصدقاً نجد ما يقابلها قتامة وبؤساً إنها صورة قطيع الإمعات من المسلمين الذين يساقون إلى مذابح قوة إيمانهم صباح مساء في استسلام ذليل ورضوخ مميت وضحكات وابتسامات بلهاء وغياب عن حقيقة حياتهم، فيمضي العام من حياتهم وقد فرقوه شذر مذر، فيأتي شعبان وهم يحملون هم قضاء آخره في رحلة بدعية يسمونها (الشعبنة) تكون في أقل مراتبها حفلة ساهرة لتوديع عادة الأكل والشرب في النهار لتصل إلى حفلات مختلطة وغناء وموسيقى، ويصاحب كل ذلك متابعة لأخبار ما ستعرضه القنوات الفضائحية من برامج تمسخ وتمحق كل فضيلة وهمة نحو المعالي، ثم يدخل عليهم شهر البركات ليمضوه في تقليب عيونهم وقلوبهم وعقولهم في الشاشات والمطاعم والأسواق، وأفضلهم يبحث عن تتبع رخص العلماء بين القنوات لنجد وقود الأمم وهم شبابها يحبون الدين، ولكن كما يريدون هم، لا كما أنزله الله تعالى، فنجدهم ينفرون من الحق المبين في هذه الأيام المباركة لتنطمس بصيرتهم ـ والعياذ بالله ـ فيغدون معاول وأبواق تحارب علماء الأمة الحقيقيين ونجدهم يمارسون عباداتهم في تبرج وتشبه بين الجنسين مما يؤثر سلباً على خشوع المصلين.

وتأتي العشر الأواخر لنجد طيورنا البشرية تفر من المساجد إلى السفر لخارجها إلى مراتع شياطين الإنس والجن لتذرف هناك البقية الباقية من قطرات الحياء الذي هو من شعب الإيمان، ثم يأتي العيد لتكمل طيورنا فرارها لتكون مثل الفراش الذي يسرع نحو ضوء النار ليخر سريعاً بلا حراك، فيتهافتون نحو نيران اللهو والفساد بأموالهم وأعمارهم يقدمونها قرابين رخيصة تذبح على أعتاب آلهة الهوى والشهوات وشياطين الإنس والجن وليعيشوا فيما بعد الأشهر الحرم في ظلم متتابع بأن يضعوا الشيء في غير موضعه، فلا اغتنام للطاعات ولا ترفع عن الحرام والشبهات، فلا هم صاموا الست من شوال ولا تذكروا العشر من ذي الحجة، ومضت أعمارهم تتسابق نحو الزوال وهم يشعرون بالملل والخواء وينتهي عامهم بهزيمة نفسية ليبدأ عامهم الجديد بتشبه بالنصارى أو المجوس في بداية أعوامهم المقدسة ما بين لهو ومجون وعدم وضوح الأهداف وتبصر النتائج، فيعيشون مثل حيوان الطاحونة معصوب العينين يدور في ذات النقطة التي بدأ منها وهو لا يدري عن ماذا يدور حوله، وهكذا هم بعض المسلمين اليوم يدورون في فراغ قاتل يقتل قيمتهم في الحياة ويقتل حقيقتهم في الوجود وأعداء ديننا يرمون بأعواد الحطب لتشتعل النيران من حولهم، فيتقاطرون للوقوع فيها وهم مع كل ما سبق تملأ قلوبهم سحب اليأس والضيق والملل والكآبة والاغترار بأنفسهم والإعجاب بأعدائهم، فينقلبون معاول هدم لكل من ينادي بالعودة للحق.

صورتان واضحتان لواقع نعيشه، فمتى نتحرك نحو إنقاذ هؤلاء والشد على أيدي هؤلاء؟!

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- صالحة سالم - السعودية

06 - محرم - 1427 هـ| 05 - فبراير - 2006




قال الشاعر اذان المرء حين الطفل ياتي وتاخير الصلاة الى الممات دليل على ان محياه يسير كما بين الاذن الى الصلاة

-- ام نجود - السعودية

06 - محرم - 1429 هـ| 15 - يناير - 2008




الدنيا ساعه فاجعلها طاعه و المقال اكثر من رائع ويعبر عن حال المسلمين اليوم بين ملتزم ومقصر نسال الله الهدايه للمسلمين وان يجعل عامنا القادم افضل من سابقه للمسلمين اجمعين

-- مريم -

29 - ذو الحجة - 1429 هـ| 28 - ديسمبر - 2008




مقال جميل جدا لمن يفهم المعاني المقصودة وربنا يهدى الجميع .

-- ام ياسر السريحي - السعودية

27 - ذو الحجة - 1430 هـ| 15 - ديسمبر - 2009




مقال جميل جدا لمن يفهم المعاني المقصودة وربنا يهدى الجميع في رضاه 0

-- خالد الصوا - الأردن

01 - محرم - 1431 هـ| 18 - ديسمبر - 2009




بين يدي عام هجري جديد





نودع هذه الأيام عامًا هجريًا ونبدأ عامًا آخر، انقضت صفحة من صفحات حياتنا، ولا ندري عما طويناها، هل سودناها بسوء أعمالنا، أم بيضناها بصالح قرباتنا



والمسلم الصالح من تكون له وقفات دائمة مع نفسه ليحاسبها ويصحح مسيرته ويتدارك خطأه، لا سيما عند انقضاء مرحلة من مراحل عمره



إن النفس سريعة التقلب، ميالة في كثير من الأحيان إلى الشر، كما قال الله تعالى عنها: {إِنَّ النَّفْسَ لأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي} سورة يوسف



ومـن هنـا كـان لزاما على كل عبد يرجو لقاء ربه أن يطيل محاسبته لنفسه، وأن يجلس معها جلسات طِــوالاً؛ فينظر في كل صفحة من عمره مضت: ماذا أودع فيها



قال أبو حامد الغزالي: اعلم أن العبد كما (ينبغي أن) يكون له وقت في أوّل النهار يشارط فيه نفسه على سبيل التوصية بالحق، فينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم، حرصا منهم على الدنيا، وخوفا من أن يفوتهم منها ما لو فاتهم لكانت الخيـرة لهم في فواته... فكيف لا يحاسب العاقل نفسه فيما يتعلق به خطر الشقاوة والسعادة أبد الآباد؟! ما هذه المساهلة إلا عن الغفلة والخذلان وقلة التوفيق نعوذ بالله من ذلك



أولا : معنى المحاسبة

المحاسبة: أن يتصفّح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره، فإن كان محمودا أمضـاه وأتبعه بما شاكله وضاهاه، وإن كان مذموما استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله في الـمستقبل يقول ابن القيم رحمه الله: المحاسبة أن يميز العبد بين ما له وما عليه فيستصحب ما له ويؤدي ما عليه؛ لأنه مسافرٌ سَفَرَ من لا يعود



ثانيا : أهمية محاسبة النفس

لمحاسبة النفس فوائد كثيرة متعددة.. منها:

1- أن غيابها نذير غرق الأمة في لجج من بحار الفساد والتيه المنتهية بنار وقودها الناس والحجارة، وأن الفساد في الدنيا إنما يكون ظاهرا جليا حينما لا يتوقع المجتمع أو الفرد حسابا، لا يتوقع حسابا من رب قاهر أو من ولي حاكم أو من مجتمع محكوم أو من نفس لوامة، وحينما لا يتوقع المجتمع والفرد حسابا على تصرفاتهم فإنهم ينطلقون في حركاتهم كما يحبون ويموجون كما يشتهون وكما تهوى أنفسهم فيتقلبون على الحياة ودروبها بلا زمام ولا خطام فيتشبهون بأهل النار من حيث يشعرون أو لا يشعرون {إِنَّهُمْ كَانُوا لاَ يَرْجُونَ حِسَابًا . وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا}



2- الاطلاع على عيوب النفس ونقائصها ومثالبها، ومن اطلع على عيوب نفسه، أنزل نفسه المنزلة الحقيقة لا سيما إن جنحت إلى الكبر والتغطـرس. وما من شك أن معرفـة العبد قدر نفسه يورثه تذللا لله وعبودية عظيمة لله عز وجل، فلا يمن بعمله مهمـا عظم، ولا يحتقر ذنبه مهما صغر



3- أن يتعرف على حق الله تعالى عليه وعظيم فضله ومنّه؛ وذلك عندما يقارن نعمة الله عليه وتفريطه في جنب الله، فيكـون ذلك رادعا له عـن فعل كل مشين وقبيح؛ وعنـد ذلك يعلـم أن النجـاة لا تحصل إلا بعفو الله ومغفرته ورحمته، ويتيقن أنه من حقه سبحانه أن يطاع فلا يعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر



4- من فوائد المحاسبة كذلك أنها تزكي النفس وتطهرها وتلزمها أمْر الله تعالى. قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} . وقال مالك بن دينار: رحم الله عبدا قال لنفسه: ألستِ صاحبة كذا؟ ألستِ صاحبة كذا؟ ثم ذمّها، ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله عز وجل فكان لها قائدا



5- إن المحاسبة تربي عند الإنسان الضمير الحي داخل النفس، وتنمي في الذات الشعور بالمسئولية ووزن الأعمال والتصرفات بميزان دقيق هـو ميزان الشرع



6- يقول ابن الـقيم رحمـه الله وهو يحذر من إهمال محاسبة النفس: أضر ما على المكلّف الإهمال وترك المحاسبة، والاسترسال، وتسهيل الأمور وتمشيتها؛ فإن هذا يؤول به إلى الهلاك، وهذا حال أهل الغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويمشّي الحال، ويتكل على العفو، فيهمل محاسبة نفسه والنظر في العاقبة، وإذا فعل ذلك سهل عليه مواقعة الذنوب وأنسَ بها وعسر عليه فطامها



إذا كان أرباب الأعمال وأرباب الدنيا يجعلون المحاسبة والتدقيق والمراجعة من أهم مراحل العملية الإدارية، فبدون هذه المراحل تكون المنشأة عرضة لفشل محقق، فما بالكم بهذا الإنسان المسكين الضعيف الذي يقطع مراحل حياته ليلقى ربه، فإما فوز ونجاة، وإما خسارة وعذاب



ثالثا : فضل المحاسبة والآثار الواردة فيها

يقول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (الحشر: 18). قال صاحب الظّلال: وهو تعبير كذلك ذو ظلال وإيحاءات أوسع من ألفاظه، ومجرد خطوره على القلب يفتح أمامه صفحة أعماله بل صفحة حياته، ويمد ببصره في سطورها كلها يتأملها، وينظر رصيد حسابه بمفرداته وتفصيلاته لينظر ماذا قدم لغـده في هذه الصفحة. وهذا التأمل كفيل بأن يوقظه إلى مواضع ضعف ومواضع نقص ومواضع تقصير مهما يكنْ قد أسلف من خير وبذل من جهد؛ فكيف إذا كان رصيده من الخير قليلا ورصيده من البر ضئيلا؟! إنها لمسة لا ينام بعدها القلب أبدا، ولا يكف عن النظر والتقليب



قال الحسن البصري في تفسير قول الله عز وجل: {وَلاَ أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} (القيامة: 2). لا يُلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه: ماذا أردتُ بكلمتي؟ ماذا أردتُ بأكلتي؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه



ويقول الله عز وجل في وصف المؤمنين الذين يحاسبون أنفسهم عند الزلة والتقصير ويرجعون عما كانوا عليه: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} سورة الأعراف



قال الفاروق عمر رضي الله عنه: حاسِبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزنوها قبل أن توزَنوا، وتزينوا للعرض الأكبر {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} سورة الحاقة



ويصف الحسن البصري المؤمن بقوله: المؤمن قوام على نفسه يحاسبها لله، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة. ويقول ميمون بن مهران: إنه لا يكون العبد من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه



رابعا: كيفية المحاسبة

بين بعض العلماء أن المحاسبة تكون على نوعين:



النوع الأول: محاسبة قبل العمل، وهي: أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه

قال الحسن: كان أحدهم إذا أراد أن يتصدق بصدقة تثبّت؛ فإن كانت لله أمضاها، وإن كانت لغيره توقف. قيل لنافع بن جبير: ألا تشهد الجنازة؟ فقال: كما أنت حتى أنوي، ففكر هنيهة، ثم قال: امض



النوع الثاني: محاسبة بعد العمل، وهي أنواع:

أ- محاسبتُها على التقصير في الطاعات: وذلك يكون بأن يديم سؤال نفسه: هل أديتُ هذه الفريضة على الوجه الأكمل مخلصا فيها لله ووفق ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإن كان مقصّرا ـ وأيّنا يسلم من ذلك؟ ـ فليسد الخلل بالنوافل فإنها تُرقّع النقص في الفريضة وتربي لدى العبد جانب العبادة، وبالمجاهدة وكثرة اللوم يخف التقصير في الطاعات إلى درجة كبيرة



ب– محاسبة النفس على معصية ارتكبتها: قال ابن القيم في ذلك: وبداية المحاسبة أن تقايس بين نعمته عز وجل وجنايتك؛ فحينئذ يظهـر لك التفاوت، وتعلم أنه ليس إلا عفوه ورحمته أو الهلاك والعطب. هناك تقول حقا: أبوء بنعمتك علي وأبوء بذنبي



وبعد أن يحاسب نفسه هذه المحاسبة ويجلس معها هذه الجلسة المطولة فإنه ينتقل إلى الثمرة والنتيجة ألا وهي العمل على تكفير تلك المعصية، فيتدارك نفسه بالتوبة النصوح وبالاستغفار والحسنات الماحية والمذهبة للسيئات. قال سبحانه: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} سورة هود



ج- محاسبتها على أمر كان تركه خيرا من فعله، أو على نيته في المباح: ما سبب فعلِه له؟ فيُوجه لنفسه أسئلة متكررة: لِمَ فعلت هذا الأمر؟ أليس الخير في تركه؟ وما الفائدة التي جنيتها منه؟ هل هذا العمل يزيد من حسناتي؟ ونحو ذلك من الأسئلة التي على هذه الشاكلة



وأما المباح فينظر: هل أردت به وجه الله والدار الآخرة فيكون ذلك ربحا لي؟ أو فعلته عادة وتقليدا بلا نية صالحة ولا قصد في المثوبة؛ فيكون فعلي له مضيعة للوقت على حساب ما هو أنفع وأنجح؟ ثم ينظر لنفسه بعد عمله لذلك المباح، فيلاحظ أثره على الطاعات الأخرى من تقليلها أو إضعاف روحها، أو كان له أثر في قسوة القلب وزيادة الغفلة؛ فكل هذه الأسئلة غاية في الأهمية حتى يسير العبد في طريقه إلى الله على بصيرة ونور



أورد أبو نعيم بسنده عن الحسن قوله: إن المؤمن يفجؤه الشيء ويعجبه فيقول: والله إني لأشتهيك، وإنك لمن حاجتي؛ ولكن –واللهِ- ما من صلة إليك، هيهات!! حيل بيني وبينك. ويفرط منه الشيء (يقع في الخطأ) فيرجع إلى نفسه فيقول: ما أردت إلى هذا، وما لي ولهذا؟ ما أردت إلى هذا، وما لي ولهذا؟ والله ما لي عذر بها، وواللهِ لا أعود لهذا أبدا إن شاء الله. إن المؤمنين قوم أوثقهم القرآن وحال بينهم وبين هلكتهم، إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله عز وجل يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وفي بصره وفي لسانه وفي جوارحه، مأخوذ عليه في ذلك كله



خامسا: نماذج من محاسبة السلف لأنفسهم

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما وخرجت معه حتى دخل حائطاً فسمعته يقول -وبيني وبينه جدار-: عمر!! أمير المؤمنين!! بخٍ بخٍ، واللهِ بُنَيّ الخطاب لتتقينّ الله أو ليعذبنّك



وجاء رجل يشكو إلى عمر وهو مشغول فقال له: أَتَتْركون الخليفة حين يكون فارغا حتى إذا شُغِل بأمر المسلمين أتيتموه؟ وضربه بالدرة، فانصرف الرجل حزينا، فتذكّر عمر أنه ظلمه، فدعا به وأعطاه الدرة، وقال له: اضربني كما ضربتك فأبى الرجل وقال: تركت حقي لله ولك. فقال عمر: إما أن تتركه لله فقط، وإما أن تأخذ حقك فقال الرجل: تركته لله. فانصرف عمر إلى منزله فصلى ركعتين ثم جلس يقول لنفسه: يا بن الخطاب: كنتَ وضيعا فرفعك الله، وضالاً فهداك الله، وضعيفا فأعزّك الله، وجعلك خليفةً فأتى رجلٌ يستعين بك على دفع الظلم فظلمتَه!! ما تقول لربك غدا إذا أتيتَه؟ وظل يحاسب نفسَه حتى أشفق الناس عليه



وقال إبراهيم التيمي: مثّلتُ نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها، ثم مثّلتُ نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين؟ فقالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحا! قلتُ: فأنتِ في الأمنية فاعملي



وحكى صاحب للأحنف بن قيس قال: كنتُ أصحبُه فكان عامة صلاته بالليل، وكان يجيء إلى المصباح فيضع إصبعه فيه حتى يحس بالنار ثم يقول لنفسه: يا حنيف! ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ ما حملك على ما صنعتَ يومَ كذا؟



ونُقِل عن توبة بن الصّمة: أنه جلس يوما ليحاسب نفسَه فعدّ عمره فإذا هو ابن ستين سنة، فحسب أيّامها فإذا هي واحدٌ وعشرون ألفا وخمسمائة يوم؛ فصرخ وقال: يا ويلتى! ألقى الملك بواحد وعشرين ألف ذنب! فكيف وفي كل يوم عشرة آلاف ذنب؟!!



بحار الغفلة ورياح الهوى

عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ، أَطَّتْ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إلا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لله،ِ وَاللهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَد.

فإلى متى نسبح في بحار الغفلة، ونسير مع رياح الهوى، أليس وراءنا حساب، أليس وراء الحساب عذاب؟



وباختصار ليعاهد كل منا نفسه أن يكون له في كل يوم قبل نومه لحظة حساب

فإن لم يكن ففي شهره

فإن لم يكن ففي سنته

وإلا فليس وراء ذلك خير












Subhan Allah wabehamdeh, Subhan Allah Alazeem
.

-- بنت مكة - السعودية

30 - ذو الحجة - 1431 هـ| 07 - ديسمبر - 2010




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
احب ان اشكرك اختي ع هذه المقالة الرائعة ..
وكل عام وانتي بخييير ..
نعم لقد ودعنا عاما بكل مافيه من الاحزان والافراح ...
وها نحن نستقبل عاما جديدا ..
ونسأل الله تعالى ان يجعل هذه السنة تكفير للتي قبلها ..
وجزاك الله الف خييير ..

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...