يا أمةً ستروي قصة رقصها الكتبُ

كتاب لها
28 - ربيع أول - 1433 هـ| 21 - فبراير - 2012


1

تُقاس الأممُ بعقولِ واهتمامات أبنائها، وترقى الدولُ بأعظم إنجازاتها وصناعاتها، ويخلّد التاريخ أسماء من نفع البشرية بعلمه أو بفكره أو باختراعه، ولا يوجد أمة من الأمم على مر التاريخ، قامت على أكتاف العاطلين والساقطين واللاهين والراقصين.

ويعجب المرء عندما يقرأ تاريخ أمتنا الحافل بسير رجال كالنجوم، يُهتدى ويُقتدى بهم، ونساء كالدّرر يلمعن في سماء الفضيلة، وفتيات كالنور يسطعن في صفحات الأمة.

ولا يزال في سجل التاريخ، أسماء لامعة كاللؤلؤ، بينما أخرى سوداء كالبؤبؤ، وبقية لا ذكر لها ولا سؤدد. وبمثل أولئك الرجال النجوم، والنساء الدرر، بلغ هذا الدين مابين المشرق والمغرب، وفتحت البلاد والأمصار، وسقطت ألوية الكفر وأمارات الظلام.

فانطلقت الفتوح انطلاق السهم من الرمية، وأضاء الدين كل قارة وقرية، ورُفعت راية الجهاد خفاقة عليّة، فلبست أمة الإسلام عزاً، وتدثرت فخراً، وتوسعت شبراً شبراً، وعلا ملكها أرضاً وبحراً، كلّ ما أضاء نجمٌ في السماء ولاح. وكلّ ما لمع دُريّ في الأفق وسطع.

 وكل ما أشرق شمس وقمر ونُودي حي على الفلاح، رجالٌ ما عرفوا لهواً ولعباً،

وعاشوا قادة وسادة وأُسداً.

ونساءٌ ما عرفوا رقصاً وهزاً ولا فحشاً، وعشن مخدرات مقصورات منصورات.

رجالٌ حموا الديار، وغضوا الأبصار ، وحفظوا النساء الأحرار.

طهّروا قلوبهم ، فطهُرت بيوتهم، وعلت نفوسهم، فعلت منازلهم، وكمُلت عقولهم، فكمُلت أخلاقهم.

ونساءٌ مربيات فاضلات، وحافظات للغيب قانتات، ومتحجبات متسترات حييات.

تربين على الفضيلة، فأحسنّ الخطاب والحجاب، ورضعن العفة، فأبين التبرج والتغنج.

ونشأن على الحياء، فرفضن التبذل والتبختر في أوساط الرجال.

قديماً قالوا لنا: "من رقص نقص"، فتركناه طلباً للإبقاء على عقولنا، فلا نزيد النقص نقصاً، وكرهناه حفاظاً على هيئاتنا، لئلا نسقط من أذهان قدواتنا.

كل ذلك ونحن في أوساط النساء.. وفي غمرة الأفراح.. وأوقات المباحات.

ولم يدُر بخلدنا برهة، أن أمتنا يوماً، سترقص على جراح أحزاننا!، وستتهاوى طرباً على ثوابت ديننا، وستتمايل رقصاً في أوقات صلواتنا.

ولم نصدق لحظة، أننا سنشاهد مقطعاً محزناً مؤسفاً مؤلماً، يُقطّع القلوب كمداً، ويُدمي العيون حزناً، فنرى رجالاً أشباه رجال، ونساءً من ربات الحجال، يتمايلن رقصاً، ويتناغمن طرباً، فيُلوحن بأيديهن طرداً للحياء، ويتحركن هزاً، تحية للشيطان والسفهاء.

يضربن بأرجلهن، ليبدين زينتهن ومحاسنهن، ويتبرجن ليَفتنّ ويُفتن، ويتضاحكن مرحاً ليطمع الذي في قلبه مرض. بلا دينٍ يمنع، أو راعٍ يردع، أو حياءٍ يشفع، أو ناصحٍ يُسمع.

والأعجب والأغرب: أن من يحتسب يُسجن ويُوقف، ومن نصح وذكّر يُشهر به ويُكذّب، ومن يصدق ذلك يُتوعد ويُهدد.

والمحزن المبكي: جراح إخواننا في سورية تسيل وتضيع، وأعراض أخواتنا العفيفات تُنتهك وتُستباح، وأطفالهم يُقتّلون ويُذبّحون.

بينما في بقعة من الأرض: الغناء يعلو ويصدح، والرقص يحلو ويُشجّع، والباطل يزهو ويصدع، والحق يسكت ويمنع.

فأنّى لأمةِ الغناء والرقص، أن تُورّث القيم والخلق، أو تلد القادة والسادة، أو تصنع الرجال والأبطال!!.

يا أمتي مهلاً ! فماذا أقول لابني حين يسألني: لماذا لا يعود لنا مجد يوماً أضعناه؟!

ولماذا لا نرُجع بلداً قرناً ملكناه؟! أو نصنع نجاحاً دهراً بلغناه؟!

وكان جوابي حائراً خجلاً: لأننا يا ولدي رقصنا فنقصنا، وطربنا فثملنا، ولعبنا فغفلنا، ولهونا ولغونا، وضربنا يدَ كل من أيقظنا لنصحو، وأوقفنا لنعلو، وأسكتنا لنسمو.

عذراً يا أمتنا ليت التاريخ يقف فترة، فلا يسطر فينا حرفاً أو سطراً، وليتجاوز هذه المرة، فرب طفل يُولد بعدُ ليحي هذه الأمة، أو رب غيث ينزل يغسل هذه الكبوة، أو فرج يأتي يكشف عنا الغمة.

وصدق القائل: الإسلام رداءٌ لا يُوضع على الأرض، فإن نزعه قومٌ ألبسه الله آخرين.

"فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ" سورة الأنعام 90.

والله يذّكرنا بقوله: "وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ"سورة محمد38.

اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ولا تقبض أرواحنا إلا وأنت راض عنا.

واستعملنا في طاعتك ولا تستبدلنا، وارزقنا الإيمان والعمل الصالح ولا تخذلنا.

وصلى اللهم على نبيك محمد سيدنا وقائدنا، وعلى آله وصحبه ومن والاه منا.

روابط ذات صلة


المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين



تعليقات
-- أبو رغد - السعودية

29 - ربيع أول - 1433 هـ| 22 - فبراير - 2012




أعجب من المقال وأجمل ما جمع الله للكاتبة الفاضلة في اسمها من إيحاآت :-
فرفعة علمية(د)
ورفعة مجتمعية( أميرة)
ورفعة قدر(علي)
ورفعة درب(صاعدي)
لذا فلا عجب أن تحمل مثل هذه الهمة.
أيتها الأخت الفاضلة بالإضافة إلى مواقف علمائنا الأجلاء المشرفة، فإني كثيراً ما أقف على مداخلات نساء مجتمعنا الفضليات وكتاباتهن.
فأجد فيها من الحرقة، والصدق، و القوة ما يبعث على الطمأنينة والثقة في مستقبلنا، لأنهن سينجبن بإذن الله أحراراً تزهو بهم الأمة.
كل ما نراه من صور الضياع، و التبعية زبد يعلو البحار، يعبر عن فقدان الهوية، وشقاء الأرواح. وسيذهب جفاءً.
أما ما ينفع الناس فمستقر، أصله ثابت وفرعه في السماء، يؤتي أكله كل حين بإذن ربه.
وكثيراً ما تمحو كلمة صادقة لخطيب مخلص الأثر العميق لجهود إعلامية جبارة بذلها جيش من المفسدين على اختلاف توجهاتهم.
الفرق الذي لم يفطن له أرباب الشهوات، أنهم يخاطبون في الإنسان شهوة قصير زمنها، مرة عاقبتها، أما الدعاة الصادقون فيخاطبون فطرة الإنسان التي فطر الله عليها الناس قبل أن يولدوا( ألست بربكم؟ قالوا :بلى شهدنا..). لذا فكلما خبا نور الحق وظن المبطلون أن قد بلغوا مرادهم ، أيقظ الله في القلوب الفطر ، ليجد المبطلون أن ثمرات سعيهم سراب حسبوه ماءً.
جزى الله الكاتبة الفاضلة خيراً على ما أحيته في النفوس من مشاعر وأحاسيس.

فضلا شاركنا بتعليقك:
  • كود التحقيق *:
    لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

هناك بيانات مطلوبة ...