النية في الكتابة الساخرة

ساخر » الحرف الساخر » الكتابة الساخرة
08 - شوال - 1438 هـ| 03 - يوليو - 2017


1

النية مهمة في أي نوع من أنواع الكتابة، إذ منها ينطلق الكاتب لنظم موضوعه؛ ليؤدي الهدف الذي من أجله أراد الكتابة، وغالباً ما تظهر النية جلية للقارئ، حيث تصله الفكرة واضحة ومباشرة.

 أما في الكتابة الساخرة فالأمر يختلف، إذ إن نية الكاتب، قد تكون عصية على فهم القارئ. فقد يصرح بأمر ويضمر عكسه، أو يبالغ بوصف ليستخدمه كتقنية من تكتيكات الصدمة للقارئ؛ ليحدث على أثرها التغيير.

لذلك فقضية النية في الكتابة الساخرة، لها دورها الحيوي والمؤثر، حيث "عثر عباس محمود العقاد[1] على كتاب استوفى مصادر الأحاسيس التي تمتزج بالفنون والآداب، كالإحساس بالجمال، والإحساس بالجلال، والإحساس بالمضحك على أنواعه، وفيه توضيح لأقسام السخرية من حيث النية؛ إذ يكون منها ما يلجأ الساخر إليه، كأنه يفتش عن العيوب الإنسانية مستريحاً إلى وجودها وبقائها، ويكون منها ما يلجأ إليه الساخر آسفاً مضطراً، كالأب الذي يعرف عيوب ولده، ويبالغ فيها ويفرط في التأنيب، فيقول له: إنه لا يفلح ولا يرجى، وهو في الواقع أول من يرجو له الفلاح،  ويتمنى لو يكذب ظنه في تلك العيوب.[2].

 

إهانة فإصلاح

فيما يرى الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون: أن النية وراء استخدام السخرية هي الإهانة فالإصلاح، إذ يقول: "إن لذة الضحك حتى في المسرح ليست لذة خالصة، ويعني بقوله: إنها ليست لذة فنية محضة، لا ترمي البتة إلى نفع، بل تشوبها فكرة خفية، يحملها المجتمع نيابة عنّا، إن لم نحملها نحن أنفسنا، إن فيها نية لا تصرح بها، وهي نية الإهانة فالإصلاح[3].

 

المكون الدلالي والتداولي

وهذا ما ذهبت إليه الباحثة كيربر أريكشيونـي[4] Kerbrat arecchioni Cathenine حيث نظرت إلى السخرية، باعتبارها مجازا يجمع بين الخاصية الدلالية والتداولية، فقد لاحظت أن السخرية، من حيث المكون الدلالي، تستعمل بنية قلب المعنى، أي أن العلاقة بين المعنى الحر في الظاهر، والمعنى المشتق المضمر، علاقة تضاد وتعارض ومفارقة"[5].

 أي التركيز على مفهوم الضد contraire أو التضـاد la contradiction الحاصل بين معنى واضح وجلي، ومعنى غامض ومضمر، وتعتمد على بنية قلب المعنى l’antiphrase كبنية مركزية لها"[6].

غير أن الباحثة أوريكيشيوني لاحظت "من خلال تتبعها للغة الواصفة الموظفة في الخطاب الصحفي أو العادي، أن هناك مجموعة من الصعوبات تعترض الدارس، عند الحديث عن قلب المعنى، تتلخص في مشكلة تشخيص ووصف طبيعة علاقة التضاد والتعارض في تلك الخطابات. إذ إن غالبيتها اعتمدت السخرية دون الاعتماد على التعارض الدلالي، ولا حتى أية مسافة دلالية، لقد جاءت هازئة فقط. كما أن بعضها الآخر قام بتوظيف بنية المبالغة Hyperbole أو التلطيف La litote لا غير"[7].

من هنا وجب استحضار المكون التداولي الذي يستلزم حضور القصدية intentionnalité. وقد أشارت أوريكشيوني إلى أن المكون التداولي أكثر هيمنة قياساً إلى المكون الدلالي حيث تقول: "إن قيمة التداولية لمتوالية ما أكثر من قيمتها الدلالية، هي التي تجعلنا نحس أنها ساخرة، فإن نسخر معناه أساسا أن نستهزئ أكثر من أن نتكلم بالتضاد"[8]

ومن الإشارات التي طرحتها أوريكشيوني، التي يمكن أن يعتمدها القارئ في فك سنن الرسالة الساخرة، نوعان من السياق:

السياق اللغوي contextelinguistique بواسطته نحدد شكل (قلب المعنى).

خارج السياق اللغوي: Extra linguistique الذي يتمثل في رأيها في شيئين:

  • في التناقض بين النيات المتخذة، وبين ما نعرفه أو نلاحظه عن المرجع: فالمثال "ما أجمل هذا الطقس!" يوضح ذلك، إذ إن المتلقي إذا استقبل هذه الجملة في شروط أحوال جوية سيئة، سوف يفهم الجملة على أنها حاملة لمعنى آخر، بحكم عدم مطابقتها لواقع أحوال الجو، ومن ثمّ سيؤولها باعتبارها جملة ساخرة.
  • التناقض بين النيات المتخذة، وبين ما نعتقد أننا نعرفه عن المتكلم: سواء ما يتعلق بشخصه وبأيديولوجيته وبخصائصه النفسية وكفاءته الفكرية"[9]
  • لذلك فإن كل المقاربات تبقى ضرورية قصد القبض على المعنى الثانوي في الإرسالية الساخرة، والذي يعد أكثر ورودا وقابلية"[10].

     

    التظاهر بالجهل:

     إن الكاتب الساخر لديه مهارة التقليل من حجم الواقع في حديثه، أو الانتقاص منه، ويرفض أن يعترف بمزاياه الخاصة، ويخفي معرفته من خلال التظاهر بالجهل، ويعتصم بموقف يعتمد على الاستفهام البحت. وهو أسلوب سقراط في السخرية، حيث يتظاهر بالتواضع والجهل المصطنع والاستفهام، وكل ذلك يعكس تماماً الموقف الذي يتبناه الكاتب، ونيته هنا التغابي، لجعل القارئ يبحث بنفسه عن الحقيقة ويستنتجها، وبالتالي فالهدف تربوي، لكنه يجعل القارئ يمر في المرحلة الحرجة من خلال العبث.

    سقراط مثلاً عندما يكتب ساخراً، ينوي هدم القناعات الراسخة، ولفعل ذلك يستخدم أسلوب الأسئلة المتلاحقة ـ التي قد تزعج القارئ ـ ولكنها تدريجياً تهدم القناعات الراسخة، وتقلب الدفاع المنطقي، وتدفع الطرف المشارك في المحاولة الواثق من نفسه تماماً، إلى أن يخوض تجربة العبث التي تفقده صوابه. وبالطبع يمد سقراط إليه يده بسرعة لانتشاله، ولكن بعد أن يتركه للحظة يواجه "الإحراج" أي يواجه الطريق المسدود".

     

    من محسنات الأسلوب:

    بعض الكتّاب اعتبر السخرية من محسنات الأسلوب وأداة للفصاحة. وكان ذلك يعني نشرها، بل وإضفاء الطابع الإنساني عليها. ككانتيليان[11] الذي اعتبرها جزءاً من علم البلاغة: "إنه ينظر إليها باعتبارها ـ بصفة خاصة ـ أسلوباً هزلياً ينتمي إلى الدعابة، ويجعلها مقصورة على التعابير البيانية، وعلى زخرفة الأسلوب البعيدة عن الفكر" وهو نوع تختلف وجهات النظر حوله، من حيث كونه يخضع للأسلوب لا للفكر، لكنه فتح أمام السخرية أبواب الأدب على مصراعيها "[12]." كذلك اعتبرها كينيث بيرك المنظر الأدبي والفيلسوف من بين المجازات الرئيسة الأربعة، والتي هي: الاستعـارة والكناية والمجاز المرسل والسخرية"[13].

     

    للهو فحسب:

    بينما يرى آخرون أن الفكاهة "مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بظاهرة الاسترخاء المفاجئ، التي يحدث فيها انتقال سريع من حالة الجد والتوتر إلى حالة اللهو والانطلاق"[14]. وهي في هذه الحالة قد تنحو بعيداً عن الكتابة الساخرة التي تبني فكراً، وتساهم في رقي المجتمعات.

     

     

    [1] أديب و مفكر و صحفي و شاعر مصري.

    [2] عباس محمود العقاد، جحا الضاحك المضحك (القاهرة: دار النهضة، مارس 1997) ص 29.

    [3] هنري برجسون، تعريب سامي الدروبي وعبد الله عبد الدائم، الضحك مرجع سابق ص107.

    [4] باحثة في المجال الإعلامي.

    [5] شعرية الرواية التسجيلية العربية- أطروحة جامعية- الفصل الثالث تحليل رواية "يحدث في مصر الآن، نسخة الكترونية.

    [6] روبير اسكاربيت، ترجمة هدى علي جمال، الفكاهة مرجع سابق ص12.

    [7] شعرية الرواية التسجيلية العربية.

    [8] سميرة الكنوشي، بلاغة السخرية في المثل الشعبي المغربي.

    [9] شعرية الرواية التسجيلية العربية.

    [10] محمد أزباخ: السخرية في المسرح العربي الحديث، ص185.

    [11] فيلسوف وروائي، كاتب مسرحي، ناقد أدبي، منح جائزة نوبل 1964م

    [12] بتصرف، روبير اسكاربيت، الفكاهة، ص106.

    [13] رمان سلدن: النظرية الأدبية المعاصرة، ترجمة جابر عصفور(القاهرة: دار الفكر الطبعة الأولى 1991م) ص 159.

    [14] زكريا إبراهيم، سيكولوجيا الفكاهة والضحك، ص 110.

    روابط ذات صلة


    المقالات المنشورة تعبر عن رأى كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأى لها أون لاين


    د. سلام نجم الدين الشرابي

    كاتبة ساخرة وصحفية متخصصة في الإعلام الساخر

    حاصلة على شهادة الدكتوراه في الصحافة الساخرة بدرجة ممتاز مع توصية بطباعة البحث.

    حاصلة على شهادة الماجستير في الصحافة الساخرة من جامعة أم درمان بدرجة امتياز مع توصية بالترفيع لدرجة الدكتوراه


    حاصلة على شهادة البكالوريوس في الصحافة من جامعة دمشق.





    العضوية:
    • عضو نقابة الصحفيين السوريين عام 1998م.
    • عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
    • عضو في الجمعية السعودية للإعلام والاتصال
    العمل:
    • مديرة تحرير موقع المرأة العربية لها أون لاين "سابقاً".
    • مديرة تحرير موقع صحة أون لاين "سابقا"
    • مديرة تحرير مجلة "نادي لها "للفتيات "سابقا"
    • مديرة القسم النسائي في مؤسسة شبكة الإعلام للخدمات الصحفية "حالياً"
    • كاتبة مقالات ساخرة في عدة مواقع
    • كان لها زاوية اسبوعية ساخرة في جريدة الاعتدال الأمريكية
    • مشرفة صفحة ساخرة بعنوان " على المصطبة"

    المشاركات:
    • المشاركة في تقديم برنامج للأطفال في إذاعة دمشق (1996)
    • استضفت في برنامج منتدى المرأة في قناة المجد الفضائية وكان موضوع الحلقة " ماذا قدمت الصحافة الالكترونية للمرأة" (3/8/2006).
    • استضفت في حوار حي ومباشر في موقع لها أون لاين وكان موضوع المطروح " ساخرون نبكي فتضحكون" ( 16/12/2008م)
    • استضفت في قناة ألماسة النسائية في حوار عن الكتابة الساخرة عام 2011
    • استضفت في قناة الرسالة الاذاعية في حوار عن تجربتي في الكتابة الساخرة وبحث الماجستير الذي قدمته عنها.
    • المشاركة في اللجنة الإعلامية الثقافية لمهرجان الجنادرية عام 2002 م
    • المشاركة في الكتابة لعدد من الصحف العربية السورية و الإماراتية والسعودية.
    • المشاركة في ورش العمل التطويرية لبعض المواقع الإعلامية .
    • تقييم العديد من المقالات الساخرة لبعض الصحفيين والصحفيات

    الإصدارات:
    • صدر لي كتاب تحت عنوان "امرأة عنيفة .. احذر الاقتراب ومقالات ساخرة أخرى" عن دار العبيكان للنشر
    • لها كتاب تحت الطبع بعنوان "الصحافة الساخرة من التاريخ إلى الحاضر


    الإنتاج العلمي:
    - الدور التثقيفي للتلفزيون.
    ورش عمل ومحاضرات:
    إلقاء عدد من المحاضرات والدورات التدريبية وورش العمل في مجال الإعلام والصحافة منها:
    • دورة عن الخبر الصحفي ومصادره، الجهة المنظمة "رابطة الإعلاميات السعوديات"
    • دورة عن الإعلام الالكتروني ، الجهة المنظمة "مركز آسية للتطوير والتدريب"
    • دورة عن التقارير الصحفية والاستطلاعات ، الجهة المنظمة " مركز آسية للتطوير والتدريب".
    • دورة عن المهارات الإعلامية للعلاقات العامة، الجهة المنظمة "مركز لها أون لاين للتطوير والتدريب.



    تعليقات
    فضلا شاركنا بتعليقك:
    • كود التحقيق *:
      لا تستطيع قراءة الكود? click here للتحديث

    هناك بيانات مطلوبة ...